Présentation

Lundi 29 Octobre 2007
تقديم كتاب السيد محمد بوعزارة
تأملات في الثقافة ...والحياة، دار الأمة، 2007
المكتبة الوطنية، يوم الاثنين 22 أكتوبر 2007

سيداتي سادتي
لما طلب مني صديقي الصحافي القدير والنائب بالمجلس الشعبي الوطني أن أقدم كتابيه الجديدين قبلت بدون تردد وبدون تفكير لأني اعتبرت ذلك تشريفا وتكريما لشخصي من طرف الكاتب الأخ محمد بوعزارة؛ قلت اعتبر ذلك تكريما وتشريفا، لأنه ليس من السهل على أي كاتب أن يسلم فلذات قلمه -أكاد أقول فلذات كبده، لأن الإنتاج الفكري هو ولادة والكاتب يتعامل مع كتابه المطبوع مثل تعامله مع ولده فمن كتب وألف ونشر فله أبناء يذكرونه من بعد وفاته- قلت إذن ليس من السهل تسليم "فلذات القلم" لأي إنسان لتقديمه للقراء وللصحافة ولرجال الفكر. فشكرا لصديقي الكاتب على هذه الثقة وأتمنى أن أكون عند حسن ظنه وأن يكون تقديمي لكتابه، أو لكتابيه، في المستوى المطلوب.

الكاتب السيد محمد بوعزارة أختار لكتابيه عنوانا رئيسيا مشتركا هو: "تأملات في الثقافة... والحياة" ثم أضاف لكل واحد من الكتابين عنوانا فرعيا مختلفا حيث سمى الأول "التجربة والحصاد"، وأطلق على الثاني اسم "لصوص التاريخ". ورغم أن السيد بوعزارة يقول في مقدمة الكتاب (ص 10): "كانت الفكرة التي راودتني في بداية الأمر أن أنشر مختلف المقالات والمحاضرات في كتاب واحد ... لكن الملاحظة التي قدمها لي بعض الأصدقاء مشكورين بفصل الجانب الثقافي عن الجانب السياسي حفزني فعلا على القيام بعملية الفصل هذه، إذ اخترت كعنوان لهذا الكتاب: "تأملات في الثقافة .. والحياة" ويضم كتابين مختلفين".  ثم يذكر عنواني الكتابين.

رغم ما جاء في المقدمة الا أن رأيي ،ولعل هذا سيكون رأي أغلب القراء، هو أن الكتاب، هو كتاب واحد بجزأين، لأننا عندما ننتهي من قراءة الكتاب الأول ونباشر الكتاب الثاني لا نشعر بأننا انتقلنا من كتاب لآخر أو من مجال لآخر، وذلك ليس بالأمر الغريب لأن المقالات والمحاضرات المنشورة في الكتابين، إضافة إلى أنها لنفس الكاتب، فأنها تتناول في معظمها قضايا الثقافة والإعلام والعولمة، أي أنها تصب كلها في ما أصبح يعرف في الوقت الحالي بالاتصال. الاتصال الذي يشمل الإعلام والثقافة، وأكاد أقول السياسة، لأن السياسة أصبحت، في الوقت الراهن، تمارس عن طريق الاتصال، فالحروب تخاض بالكلمة والصورة والتشويه والتشويش.

إذن، إن وافقني صديقي الكاتب فسأعتبر الكتابين كتابا واحدا بجزأين وسأتناول محتوياته جملة دون تفصيل.

"التجربة: الجذور والحصاد" هو أول عنوان يواجه القارئ بعد التقديم الذي جاء بقلم السيدة فيروز زياني الصحافية الجزائرية بقناة الجزيرة وهي ابنة صديقنا مؤلف الكتاب، وكذلك بعد مقدمة المؤلف والفهرس. إذن في : "التجربة: الجذور والحصاد" وهو عنوان محاضرة ألقاها الكاتب في هذا الصرح الثقافي بالذات، المكتب الوطنية، بتاريخ 10/ 01/ 2005 ، وعبر22 صفحة، يقدم المؤلف تجربة حياته. وهي تجربة شيقة، غنية ومفيدة.

شيقة أولا، لأنها تروي قصة مواطن ولد تحت الاحتلال، وكان من حظه أنه رأى النور بحي بلكور الذي كان من أهم وأنشط أحياء العاصمة في هذا الربيع من سنة 1949، لكن سوء الطالع أو حسن الحظ، لا أدري، شاء أن ينتقل هذا المولود، وهو لم يبلغ بعد الشهر الأول من عمره، إلى بادية الأغواط  "حيث مرابع الأجداد". لا شك أن السنوات التي قضاها الطفل بالبادية، في خيمة صحراوية، كان لها الأثر الكبير على نفسيته وعلى مستقبله. ذلك ما يلمسه القارئ وهو يتنقل عبر المقالات والمحاضرات التي جمعت في هذين الجزأين من الكتاب. فعمق الصحراء يلهم القدرة على التأمل والتفكير السليم.

هذا الطفل يعود إلى مسقط رأسه ببلكور، سنة 1961، وعمره 12 سنة. في هذا السن يحاول الوالد إدخال ابنه إلى المدرسة النظامية لكنه يقابل بالسخرية من طرف المدير الذي يشير إليه بأن ابنه أصبح "شيخا". الشيخ يرفض هذا المنطق ويلتحق بمدرسة حرة حيث يختزل فيها الزمن ويتحصل بعد سنتين على الشهادة الابتدائية وامتحان الدخول إلى المتوسطة، ولما بلغ سن السادسة عشر التحق بالإذاعة الوطنية. في هذا السن (السادسة عشرة من العمر) كان ينظم الشعر، ويكتب القصة، ويقتبس التمثيليات الإذاعية، ويكتب حتى المقالة الصحفية.. ومن هنا كانت البداية. هذا عن الجانب الشيق من التجربة.

وهي تجربة غنية أيضا، لأنها تروي قصة صحافي جزائري عاش وتفاعل مع كل المراحل التي عرفتها الجزائر منذ الاستقلال. صحافي بدأ مسيرته من برامج الأطفال إلى إعداد أولى الحصص السياسية باللغة العربية في القناة الإذاعية الوطنية، إلى التلفزيون، إلى رئاسة تحرير مجلة متخصصة، إلى الكتابة في العديد من الجرائد الوطنية والعربية فإلى نائب بالمجلس الوطني الشعبي.

والتجربة مفيدة أخيرا، لأنها تقدم للشباب صورة عن "فن الغير ممكن" أي عن الإرادة التي كانت تتوفر لدى الجيل السابق، والذي انطلق من لا شيء واستطاع أن يحقق أحيانا حتى المستحيل. الكاتب يتعرض في كتابه للكثير من الإنجازات التي حققها بعض الجزائريين ولم يكن بين أيديهم من إمكانيات غير الإرادة وحب الوطن، من ذلك مثلا قصة فرض السيادة الوطنية على التلفزيون، وهي الحادثة التي أفرد لها الكاتب  
صفحات من كتابه. التجربة مفيدة أيضا لأن الكاتب يعبر، في الكثير من الحالات، عن معاناة جيل التحق بالصحافة مع بداية السبعينيات من القرن الماضي وكله حماس ورغبة في خدمة الوطن والرفع من مستوى الإنتاج باللغة العربية؛ ورغم الحصار والمضايقات وحتى نظرات الازدراء، فان هذا الجيل لم يفشل ولم يتغير وواصل العمل، ولم يغادر أو يهرب حتى في أصعب الظروف الأمنية التي مرت بها الجزائر.

هذا الكتاب بجزئية يمكن اعتباره تأريخا أو عرضا لأحداث عاشتها الجزائر في زمنين مختلفين: زمن الصعود نحو العظمة، وزمن الانحدار نحو الظلامية، وبمقدار ما أجاد الكاتب في تناول القضايا الآنية خاصة تلك المتعلقة بالعولمة وحرب الصورة ودور الإعلام في المجتمع... فأن سي محمد عرف كيف يعبر عن أحلام ومعاناة المواطن الجزائري في الزمن الصعب حيث يقول ( ص 38):
"حلمت أن أدخل مقهى، أي مقهى، في أي مدينة من وطني، وفي أي حي شعبي أصيل، من تلك المدينة ولا أخاف من ورائي، ولا من جانبي، ولا أمعن النظر في الوجوه التي تقابلني، وأشرب قهوة، ولا أفكر في الذي يقع لي أو لغيري داخل تلك المقهى.
اشتقت أن أمشي مرفوع الرأس وأجوب شارع  بلكور الأصيل الجميل حيث مسقط رأسي وحيث الماضي والحاضر والمستقبل.
اشتقت أن أعبر القصبة صعودا ونزولا ولا أتيه في أزقتها، ولا أخاف من وجوه قد لا أعرفها بفعل هذا الزمن."

من أعماق هذا الزمن الصعب الذي أختزل كل أحلام الجزائري  في مجرد "مشية" في شارع من شوارع العاصمة يأبى الصحافي أو الكاتب الركوع للأمر الواقع فيكتب عن المستقبل. يكتب عن الأطفال وعن مدى تأثرهم بصور الرعب والتقتيل والتدمير التي كانت هي الخبز اليومي للجزائريين؛ فهذا ابنه فيصل يسأله "مرعوبا وقد امتلأت عيناه بالدموع وتملكه خوف شديد بعد أن شاهد على شاشة التلفزيون الجزائري مناظر مرعبة لأطفال رضع وقد ذبحوا إلى جانب أمهاتهم وآبائهم وإخوانهم وجيرانهم، قال: لماذا يقتلونهم يا أبي؟" (ص 57).

في هذا الكتاب نلمس صراعا خفيا بين بوعزارة الصحفي الباحث عن المعلومات "لتسويقها "حسب التعبير الحديث وتحقيق السبق الصحفي، وبين بوعزارة السياسي الذي يزن ويقيس ويحسب الربح والخسارة في كل خطوة يخطوها، لكن النتيجة التي يخرج بها القارئ هي أن الأول، أي الصحفي، هو الذي ينتصر على السياسي. ينتصر الصحفي على السياسي لأن المعروف أن المهنة الأولى تضل لاصقة بصاحبها حتى القبر، وهكذا فعبر ال 459 صفحة التي احتواها الكتاب بجزأيه نجد أن الصحفي هو الذي يفوز على النائب في البرلمان، ولنقرأ معا بعض الفقرات المعبرة عن انتصار الصحفي:

في الصفحة 24 كتب يقول: "لكنني أرى أن الاعتدال لا يعني الرتابة، ولا يعني إمساك العصا من الوسط.." أليس هذا انتصارا للصحفي؟ لأن السياسي في وقتنا الحالي هو ذلك الذي يمسك العصا من الوسط، أرأيتم غير الصحافي من ينصح بعدم مسك العصا من الوسط؟

في الصفحة 35 نقرأ الفقرة التالية: "يلجأ بعض السياسيين أحيانا إلى محاولة الضغط على الصحفي لتمرير رسائل وأفكار وأخبار معينة، فيتحول هذا الأخير إلى مجرد مخبر إن قبل بذلك، وتضيع حينها المهنية والموضوعية والنزاهة.." إنه الصحفي وليس السياسي الذي يتحدث هنا. إنه يعبر عن تقززه من ذلك النوع من الصحفيين الذين يقبلون بدور المخبر.

وفي الصفحة 78 وبأسلوب تهكمي يروي لنا الكاتب حكاية ذلك المسؤول الذي يطلب من ناشر، أثناء معرض الكتاب، بأن يبيعه كل الكتب المذهبة ليزين بها مكتبته الكبيرة. بربكم أليس هذا كلام صحفي يستهزأ بمسؤول أمي؟

فقرات كثيرة، لن أسردها كلها، تؤكد هذا التحيز، في كتاب السيد بوعزارة للصحفي على حساب بوعزارة السياسي، وليس ذلك بما ينقص من قيمة الكتاب ولا من قيمة صاحبه.

الكتاب هو أيضا موسوعة لأسماء عديدة مرت أو تمر بمجالات التعليم والثقافة والصحافة والسياسة في الجزائر. أسماء يذكرها الكاتب بكثير من التقدير والاحترام، نذكر منهم: عبد الحميد مهري، محمد الصالح الصديق، أحمد طالب الإبراهيمي، السيدة زينب الميلي، محمد بلقاسم خمار،ابن عمر زرهوني، عبد القادر نور، مولود قاسم، مدني حواس، أحمد حمدي عمر البرناوي، الطاهر بن عيشة، سعد زهران، عبد العالي بورغدة، محمد عباس، شعبان لوناكل، زهير قادوش، تركية ديب، محمد عرابديو، محمد الشريف مساعدية، البشير خلدون، الشاعر بن عبد الله بن كريو، وغيرهم من الشخصيات السياسية والثقافية والفنية.

أخيرا أقول أنه من المؤكد أن الصحافيين الشباب يجدون في هذا الكتاب عصارة أربعين سنة من العمل الصحفي والسياسي. إنها تجربة ثرية لصحافي وسياسي جزائري مارس مهنة المتاعب في مختلف المؤسسات الإعلامية الجزائرية
publié par adimi dans: adimiahmed

Portail de l'emploi 100% gratuit

Créer un blog sur dzblog.com - Contact - C.G.U. - Reporter un abus