اتصال الثورة المسلحة
بين حرب الأمواج و قوة الرموز
بين حرب الأمواج و قوة الرموز
بقلم: د. أحمد عظيمي
أستاذ بكلية العلوم السياسية والإعلام
تؤكد الوثائق والأحداث بأن الاتصال كان من الاهتمامات الأساسية لقيادة الثورة المسلحة، ويمكن اعتبار ولادة جبهة التحرير الوطني كأول عمل اتصالي للثورة؛ ففي الاتصال، كما في السياسة، كل الأمور محسوبة ولا يترك أي شيء للحظ. اختيار الكلمات والتسميات والرموز الخ.. هي دائما نتاج نقاش وحوار كبيرين، لأن هذه الكلمات، والتسميات، والرموز، لها معانيها المميزة، وهي تعكس، أو يجب أن تعكس، فكر وإيديولوجية المجموعة أو المؤسسة.
كلمة "جبهة"، في حد ذاتها، جاءت حاملة لكثير من الدلالات، فهي تعني أشياء كثيرة في نفس الوقت:
1-تجمع الوطنيين ضد العدو المشترك.
2-التفتح على الذين يحملون أفكارا مختلفة.
3-المواجهة مع العدو.
بعد اختيارهم للتسمية "جبهة التحرير الوطني" بدأ زعماء الثورة يخوضون معاركهم الأولى على جبهتين: جبهة الاتصال وجبهة الأعمال العسكرية.
وقد يتساءل الكثير منا اليوم: كيف استطاعت مجموعة من الشباب، محدودة في العدد والإمكانيات، أن تنشر فكرة الثورة في أوساط الجماهير؟ وكيف تحولت العمليات العسكرية المحدودة - حسب البيانات الفرنسية - إلى ثورة عارمة وشاملة. ثورة بلـغ صـداها كـل أنحـاء الأرض، إلـى حـد أن الكثـير مـن المفكرين و الأحرار في العالم كانوا يعتزون بالانتماء والدفاع عن الثورة الجزائرية ؟
أسئلة كثيرة تطرح و الجواب عنها ليس سهلا وذلك لأسباب كثيرة أهمها: قلة المصادر وأتساع الموضوع.
المعروف في علوم الاتصال أنه لا يوجد اتصال من أجل الاتصال La communication pour la communication ، فهدف كل عملية اتصال هو الإقناع أو التأثير Communiquer c’est influencer وبالتالي فالسؤال الذي يطرح هنا هو: إعلام الثورة كان يهدف إلي إقناع من؟ أو التأثير في من؟
وضعية الجزائر في سنة 1954كانت تفرض على القائمين على مجال الاتصال التوجه إلى أربع جهات رئيسية هي:
أولا، الشعب الجزائري بكل فئاته، والذي بدونه لا يمكن أن تكون الثورة أو تنتصر، والملاحظ أن قيادة الثورة لم تكن بحاجة إلى القيام بعمل كبير لإقناع الشعب الجزائري بفكرة الثورة لأنه كان جاهزا لها وكان ينتظرها. وخير كلمة قيلت في هذا المجال هي تلك التي قالها الشهيد العربي بن مهيدي: "القوا بالثورة في الشارع فأن الشعب يتبناها."
لكن رغم جاهزية الشعب إلا أن طبيعة العمل الثوري الذي يتصف بالكثير من السرية جعل قادة الثورة ورجالها الأوائل يولون عناية خاصة لعملية الاتصال بالمواطنين لتجنيدهم وتعبئتهم .
ثانيا، الشعب الفرنسي لتبليغه بأهداف الثورة، وإفهامه بخطورة الوضعية في الجزائر، وأن الذي يقع فيها منذ أول نوفمبر 1954 ليس تمردا أو إرهابا، كما كانت تصفه وسائل الإعلام الفرنسية، بل ثورة شعب يريد استعادة حريته وكرامته.
ثالثا، الرأي العام العربي والإفريقي لأن الثورة كانت في حاجة إلى عمق إستراتيجي وإلى دعم سياسي، ولم يكن من الممكن حيازتهما إلا في الإطار الجيو سياسي للجزائر.
رابعا، الرأي العام العالمي، وهنا نسجل بأن العالم لم يكن يسمع بالجزائر إلا في الإطار الفرنسي، أي أنها جزء من التراب الفرنسي، فقد عملت الدعاية الفرنسية،خلال مدة الاحتلال، على إقناع الرأي العام العالمي بأن الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا، وأن فرنسا، كما قال وزير داخليتها فرانسوا ميتران في ذلك الوقت، هي من دانكرك إلى تمنراست. إذن كان على إعلام الثورة المسلحة أ ن يكسر هذه الأسطورة، وأن يعمل على إبراز الوجه الآخر لفرنسا، والذي يتنافى تماما ومبادئ الحرية والمساواة والإخاء التي جاءت بها الثورة الفرنسية .
لتحقيق هذه الأهداف مارست الثورة كل أنواع الاتصال: المكتوب، الشخصي أو المباشر، المسموع، المصور، وأخيرا الاتصال عن طريق الرموز.
أ- الاتصال المكتوب :وهو يحتوي على المناشير و الرسائل والصحف وبرقيات وكالة الأنباء الجزائرية.
1-المناشير:LES TRACTS . المنشور هو وسيلة إعلام الفقراء والحركات الثورية خاصة في بداياتها. وهو يوفر السرية والاقتصاد. للمنشور شروط منها أن يكون قصيرا، محررا بلغة بسيطة’ويتحدث في الصميم.
المنشور(1) هو أول وسيلة استعملتها اللجنة الثورية للوحدة والعمل لإطلاع الرأي العام الوطني والدولي عن ميلاد جبهة التحرير الوطني. هذا المنشور هو الذي أصبح يعرف فيما بعد ببيان أول نوفمبر(2).
من مميزات هذا المنشور، أي بيان أول نوفمبر، هي أنه كتب بلغة بسيطة لكنها راقية جدا؛ إنه ما يسمى في الأدب بالسهل الممتنع، كما أننا نجد في هذا المنشور تسلسلا رائعا وبناءا محكما في الأفكار الواردة فيه.
عندما نعود إلى هذه الوثيقة الآن، و نحاول أن نحللها حسب المقاييس الاتصالية، فإننا نلاحظ بأنها تجيب عن كل التساؤلات التي يطرحها القارئ.
إذا كان الحديث عن الاتصال هو التمكن من الإجابة عن الأسئلة الشهيرة التي وضعها {لاسوال} والتي هي: من، يقول ماذا، لمن، كيف، وبأي أثر ؟ qui , dit quoi ; à qui ; comment . pour quel effet ? فإننا عندما نطبق هذا النموذج الاتصالي على بيان أول نوفمبر، نلاحظ بأن محررية لم يهملوا أية واحدة من هذه الأسئلة .
من؟: هو المرسل الذي يبعث الرسالة، إنهم، يقول البيان: "مجموعة من الشباب المسؤولين المناضلين الواعين التي جمعت حولها أغلب العناصر التي لا تزال سليمة ومصممة".
يقول ماذا؟: محتوى الاتصال أو برنامج المرسل : "نوضح لكم مشروعنا والهدف من عملنا، ومقومات وجهة نظرنا الأساسية، التي تهدف إلى الاستقلال الوطني .."
لمن؟: الملتقي الذي توجه إلية الرسالة. هذا المستقبل نجده مبينا في أعلى البيان:
"... أيها الشعب الجزائري، أيها المناضلون من أجل القضية الوطنية أنتم الذين ستصدرون حكمكم بشأننا...".
كيف؟: شكل وسيلة الاتصال، وقد جاءت هنا في صورة بيان علق على الجدران، وقرئ في الإذاعة المصرية ووضع تحت الأبواب.
لأي هدف؟: أي الغايات المعلنة و الخفية للعملية الاتصالية: ".. لكي نبين بوضوح هدفنا فإننا نسطر فيما يلي الخطوط العريضة لبرنامجنا.."
بأي أثر؟: هو ما يحدث بعد نشر الرسالة، هل هناك استجابة أم لا ؟
إننا نعلم بأن رد فعل المتلقي لبيان أول نوفمبر كان مزدوجا، ففي الوقت الذي تلقاه الشعب الجزائري بالإيجاب، كان رد فعل الاستعمار الفرنسي الاستخفاف وعدم أخذ الأمور بجدية، فقد تجاهل المسؤولون الفرنسيون ما جاء في البيان واكتفت تصريحاتهم بالإشارة إلى ما سمي بأحداث الشغب.
بيان أول نوفمبر كان إذا أول منشور سياسي للثورة، وقد واصلت جبهة التحرير الوطني استعمال هذه الوسيلة الإعلامية طوال السبع سنوات والنصف، لتعميم القرارات الصادرة عنها على الجماهير. وكان المنشور يوزع، بواسطة المناضلين، في جميع أنحاء الجزائر، وبلغت دقة التنظيم حد توزيع بعض المناشير في وقت واحد، وأحيانا في ساعة واحدة عبر مختلف مدن وقرى الجزائر.
استعمال المنشور كأسلوب للتأثير السياسي والمعنوي حقق إذن نتائج جد إيجابية، نسجل منها:
الاستجابة الشعبية الواسعة لنداءات وتوجيهات الثورة.
فرار الكثير من جنود اللفيف الأجنبي والتحاقهم بصفوف الثوار الذين كانوا يساعدونهم على العودة إلى بلدانهم.
اقتناع الكثير من الفرنسيين بعدالة القضية التي تناضل من أجلها جبهة التحرير الوطني.
2-الرسائل: استعملت الثورة الرسالة كوسيلة اتصال حيث كانت توجه رسائل شخصية إلى الفئات التالية: الشخصيات الفكرية والسياسية المعروفة على المستوى الدولي، المتعاونون مع العدو، جنود وضباط الجيش الفرنسي، المعمرون.
رسائل الثورة نوعان: تنويرية توضح فيها أسباب الثورة وأهدافها، وتحذيرية توجه إلى المتعاملين مع العدو تبين لهم فيها مخاطر تصرفاتهم ونتائجها الوخيمة .
نمودج من الرسائل التنويرية و هي موجهة إلى العاملين في الجيش الفرنسي : (( يا جنود فرنسا،
إنكم بعملكم في الجندية الفرنسية تخدمون مصالح المستعمرين و تتعذبون في سبيل سعادة وهناء أمثال RENE MEYERجلاد الأمة الجزائرية، وإذا متم فأنكم تموتون في سبيل شرذمة مستغلة لشعب بأكمله، أي أنكم تموتون فداء للاستعمار، إننا لسنا من قطاع الطرق، نحن جنود جيش التحرير الوطني نعمل في سبيل مبادئ العدالة الإنسانية، ولقد خدعوكم في شأننا، ففكروا في الأمر، إن إعانة المستعمرين الذين لفظتهم الإنسانية تعتبر جريمة لا تغتفر ضد شعب يدافع عن حقه. إن انتصارنا محقق، ولتسقط العنصرية .))
إذا تفحصنا محتوى هذه الرسالة فأننا نلاحظ ما يلي :
- فهم نفسية الأفراد الموجهة إليهم الرسالة بالتحدث إلى الأوروبيين عن مبادئ العدالة الإنسانية
- التخويف: "إن متم..."
- اتهامهم بالعنصرية: وهو اتهام خطير بالنسبة للأوروبيين عامة وللفرنسيين خاصة الذين بنوا دولتهم الحديثة على المبادئ الثلاثة للثورة الفرنسية .
3-الجرائد: هي الوسيلة الإعلامية الأعمق تأثيرا لأنها تخاطب العقل، لكنها في نفس الوقت تتطلب توفر عنصر القدرة على القراءة، ونحن نعلم أنه في سنة 1954 كانت نسبة الأمية في الجزائر تفوق ال 90بالمائة ، لكن، ورغم ذلك استعملت الثورة الجريدة لتوصيل صوتها خاصة للرأي العام الدولي. واستعمال الثورة لهذه الوسيلة كان عن قناعة بأن الجريدة المكتوبة تسائل الفكر، فهي تتوجه لجمهور مثقف، عادة، ويوجد من بين هذا الجمهور، صحفيون، سياسيون، مناضلو حقوق الإنسان، طلبة.. باختصار كل موجهي الرأي، الذين يتحولون، مع الوقت وباقتناعهم بعدالة القضية إلى موصلين وناشرين لأفكار و مبادئ الثورة .
من بين الجرائد التي صدرت عن الثورة نذكر:
- المقاومة الجزائرية، التي ظهرت منها ثلاث طبعات هي: طبعة باريس (نهاية 1955) وطبعة المغرب (1956) وطبعة تونس (منتصف1956). الطبعات الثلاث كانت تسرب إلى الجزائر بطريقة سرية، ولم يكن يوجد تنسيقا بينها.
- المجاهد، وهي أهم جرائد الثورة وأكثرها شهرة(3). صدرت في جوان 1956 بالقصبة، كانت تسحب بالرونيو، دمر مقرها خلال معركة الجزائر ولم يصدر العدد السابع،وفي جويلية 1957 نقلت إلى تيطوان بالمغرب. وفي أكتوبر 1957 نقلت إلى تونس و أصبحت الناطق الوحيد باسم جبهة التحرير الوطني. أشرف عليها عبان رمضان ثم أحمد بومنجل، وعند تأسيس الحكومة المؤقتة في سنة 1958 أصبحت تتبع لوزارة الأخبار، وكانت توزع في كل عواصم العالم باللغتين العربية والفرنسية وترسل بالبريد إلى الشخصيات والهيئات الدولية . قامت بدور كبير في التعريف بالقضية الجزائرية وفي فضح أساليب الإبادة الاستعمارية بالجزائر.
المجاهد كانت موجهة بالأساس إلى الخارج، وهو ما يتضح من خلال محتواها الذي شكل مادة خام لكثير من الدارسين بالجزائر وبالخارج، نذكر منها على الخصوص الدراسة القيمة التي قامت بها الفرنسية مونيك قادون (4) بعنوان -Islam et nationalisme en Algerie d’aprés El Moudjahid 1956-1962.{الإسلام والوطنية من خلال المجاهد 1956-1962.}
تقول صاحبة هذه الدراسة أن المجاهد جريدة حزبية ذات سحب ضعيف، عملت جاهدة للوقوف ضد وسائل إعلام القوة الاستعمارية. كانت معركة غير متساوية ... وهي أي المجاهد، كانت تتوجه، خاصة إلى الحكومات والرأي العام الدولي، لجعلهم شاهدين ولمساءلتهم . كذلك كتبت تقول السيدة مونيك قادون.
من المهام التي قامت بها المجاهد هي أنها سهلت لوكالات الأنباء الأجنبية المرور مباشرة إلى إعلام واتصال ج.ت.و كما ساهمت ،بنشاط، من خلال الاستطلاعات والتحقيقات التي كانت تنشرها حول الحياة في الجبال، وعن جرائم الفرنسيين في الجزائر، في تكوين رأي عام دولي لصالح القضية الجزائرية.
إلى جانب جريدتي ( المقاومة الجزائرية ) و( الجاهد) ظهرت جرائد أخرى نذكر منها:
العامل الجزائري.
الشباب الجزائري.
جرائد الولايات، حيث كان لكل ولاية جريدة خاصة بها.
4- برقيات وكالة الأنباء الجزائرية :
في سنة 1961 أنشأت قيادة الثورة وكالة للأنباء وكان مقرها في تونس. هذه الوكالة كان الهدف من إنشائها هو جعلها الوسيلة الحاملة لصوت الجزائر للخارج وخاصة نحو وسائل الإعلام العالمية .
أسندت لوكالة الأنباء الجزائرية المهام التالية :
الإشراف على كل ما يتعلق بالثورة الجزائرية من أنباء و تعاليق ومراجعتها بدقة.
إعداد نشرة إخبارية يومية باللغتين العربية والفرنسية توزع على مكاتب وكالات الأنباء الأجنبية.
تبادل الخدمات الإعلامية مع الوكالات العالمية.
الاتصال الشخصي أو المباشر : هو النوع الأكثر أنشارا والأسرع تأثيرا. وقد ساعد على تسهيل مهمة الثورة فقدان العدو لكل مصداقية.
المصداقية لها أهمية خاصة في مجال الاتصال الشخصي، فيما بعد لما تحدث ديغول عن إجراءات لصالح الجزائريين "مشروع قسنطينة، سلم الشجعان ..." لم يصدقه أحد لأنه كان يتكلم باسم نظام فقد كل مصداقية في الجزائر، بينما نجح الاتصال الشخصي الممارس من طرف الثورة. أن هذه الأخيرة كانت تحتار أحسن وأكفأ وأقدر أفرادها للقيام بالاتصال بالمواطنين.
أخلاق وتصرفات وانضباط أفراد جيش التحرير الوطني كانت تسهل الاتصال المباشر وتجعل المواطنين يقبلون على الاستماع إلى المتحدثين و الناقلين لأخبار الثورة وتوجيهاتها، وكان يقوم بهذه المهمة المرشدون السياسيون الذين أصبحوا يعرفون فيما بعد بالمحافظين السياسيين(5).
ج- الاتصال المسموع أي عن طريق الإذاعة : كانت الإذاعة هي أهم وسيلة إعلامية خلال فترة الثورة المسلحة؛ التلفزيون لم يكن منتشرا بكثرة، وهو دخل الجزائر سنة 1956؛ ونظرا لأهمية الإذاعة في تجنيد الجماهير الجزائرية وتبليغها صوت وأخبار الثورة. قيادة الثورة استعملت الإذاعات التالية :
- إذاعة القاهرة: كانت تقدم من خلالها، بدءا من سنة 1955 برنامجا يوميا بالعربية هــو (صوت جبهة التح
كلمة "جبهة"، في حد ذاتها، جاءت حاملة لكثير من الدلالات، فهي تعني أشياء كثيرة في نفس الوقت:
1-تجمع الوطنيين ضد العدو المشترك.
2-التفتح على الذين يحملون أفكارا مختلفة.
3-المواجهة مع العدو.
بعد اختيارهم للتسمية "جبهة التحرير الوطني" بدأ زعماء الثورة يخوضون معاركهم الأولى على جبهتين: جبهة الاتصال وجبهة الأعمال العسكرية.
وقد يتساءل الكثير منا اليوم: كيف استطاعت مجموعة من الشباب، محدودة في العدد والإمكانيات، أن تنشر فكرة الثورة في أوساط الجماهير؟ وكيف تحولت العمليات العسكرية المحدودة - حسب البيانات الفرنسية - إلى ثورة عارمة وشاملة. ثورة بلـغ صـداها كـل أنحـاء الأرض، إلـى حـد أن الكثـير مـن المفكرين و الأحرار في العالم كانوا يعتزون بالانتماء والدفاع عن الثورة الجزائرية ؟
أسئلة كثيرة تطرح و الجواب عنها ليس سهلا وذلك لأسباب كثيرة أهمها: قلة المصادر وأتساع الموضوع.
المعروف في علوم الاتصال أنه لا يوجد اتصال من أجل الاتصال La communication pour la communication ، فهدف كل عملية اتصال هو الإقناع أو التأثير Communiquer c’est influencer وبالتالي فالسؤال الذي يطرح هنا هو: إعلام الثورة كان يهدف إلي إقناع من؟ أو التأثير في من؟
وضعية الجزائر في سنة 1954كانت تفرض على القائمين على مجال الاتصال التوجه إلى أربع جهات رئيسية هي:
أولا، الشعب الجزائري بكل فئاته، والذي بدونه لا يمكن أن تكون الثورة أو تنتصر، والملاحظ أن قيادة الثورة لم تكن بحاجة إلى القيام بعمل كبير لإقناع الشعب الجزائري بفكرة الثورة لأنه كان جاهزا لها وكان ينتظرها. وخير كلمة قيلت في هذا المجال هي تلك التي قالها الشهيد العربي بن مهيدي: "القوا بالثورة في الشارع فأن الشعب يتبناها."
لكن رغم جاهزية الشعب إلا أن طبيعة العمل الثوري الذي يتصف بالكثير من السرية جعل قادة الثورة ورجالها الأوائل يولون عناية خاصة لعملية الاتصال بالمواطنين لتجنيدهم وتعبئتهم .
ثانيا، الشعب الفرنسي لتبليغه بأهداف الثورة، وإفهامه بخطورة الوضعية في الجزائر، وأن الذي يقع فيها منذ أول نوفمبر 1954 ليس تمردا أو إرهابا، كما كانت تصفه وسائل الإعلام الفرنسية، بل ثورة شعب يريد استعادة حريته وكرامته.
ثالثا، الرأي العام العربي والإفريقي لأن الثورة كانت في حاجة إلى عمق إستراتيجي وإلى دعم سياسي، ولم يكن من الممكن حيازتهما إلا في الإطار الجيو سياسي للجزائر.
رابعا، الرأي العام العالمي، وهنا نسجل بأن العالم لم يكن يسمع بالجزائر إلا في الإطار الفرنسي، أي أنها جزء من التراب الفرنسي، فقد عملت الدعاية الفرنسية،خلال مدة الاحتلال، على إقناع الرأي العام العالمي بأن الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا، وأن فرنسا، كما قال وزير داخليتها فرانسوا ميتران في ذلك الوقت، هي من دانكرك إلى تمنراست. إذن كان على إعلام الثورة المسلحة أ ن يكسر هذه الأسطورة، وأن يعمل على إبراز الوجه الآخر لفرنسا، والذي يتنافى تماما ومبادئ الحرية والمساواة والإخاء التي جاءت بها الثورة الفرنسية .
لتحقيق هذه الأهداف مارست الثورة كل أنواع الاتصال: المكتوب، الشخصي أو المباشر، المسموع، المصور، وأخيرا الاتصال عن طريق الرموز.
أ- الاتصال المكتوب :وهو يحتوي على المناشير و الرسائل والصحف وبرقيات وكالة الأنباء الجزائرية.
1-المناشير:LES TRACTS . المنشور هو وسيلة إعلام الفقراء والحركات الثورية خاصة في بداياتها. وهو يوفر السرية والاقتصاد. للمنشور شروط منها أن يكون قصيرا، محررا بلغة بسيطة’ويتحدث في الصميم.
المنشور(1) هو أول وسيلة استعملتها اللجنة الثورية للوحدة والعمل لإطلاع الرأي العام الوطني والدولي عن ميلاد جبهة التحرير الوطني. هذا المنشور هو الذي أصبح يعرف فيما بعد ببيان أول نوفمبر(2).
من مميزات هذا المنشور، أي بيان أول نوفمبر، هي أنه كتب بلغة بسيطة لكنها راقية جدا؛ إنه ما يسمى في الأدب بالسهل الممتنع، كما أننا نجد في هذا المنشور تسلسلا رائعا وبناءا محكما في الأفكار الواردة فيه.
عندما نعود إلى هذه الوثيقة الآن، و نحاول أن نحللها حسب المقاييس الاتصالية، فإننا نلاحظ بأنها تجيب عن كل التساؤلات التي يطرحها القارئ.
إذا كان الحديث عن الاتصال هو التمكن من الإجابة عن الأسئلة الشهيرة التي وضعها {لاسوال} والتي هي: من، يقول ماذا، لمن، كيف، وبأي أثر ؟ qui , dit quoi ; à qui ; comment . pour quel effet ? فإننا عندما نطبق هذا النموذج الاتصالي على بيان أول نوفمبر، نلاحظ بأن محررية لم يهملوا أية واحدة من هذه الأسئلة .
من؟: هو المرسل الذي يبعث الرسالة، إنهم، يقول البيان: "مجموعة من الشباب المسؤولين المناضلين الواعين التي جمعت حولها أغلب العناصر التي لا تزال سليمة ومصممة".
يقول ماذا؟: محتوى الاتصال أو برنامج المرسل : "نوضح لكم مشروعنا والهدف من عملنا، ومقومات وجهة نظرنا الأساسية، التي تهدف إلى الاستقلال الوطني .."
لمن؟: الملتقي الذي توجه إلية الرسالة. هذا المستقبل نجده مبينا في أعلى البيان:
"... أيها الشعب الجزائري، أيها المناضلون من أجل القضية الوطنية أنتم الذين ستصدرون حكمكم بشأننا...".
كيف؟: شكل وسيلة الاتصال، وقد جاءت هنا في صورة بيان علق على الجدران، وقرئ في الإذاعة المصرية ووضع تحت الأبواب.
لأي هدف؟: أي الغايات المعلنة و الخفية للعملية الاتصالية: ".. لكي نبين بوضوح هدفنا فإننا نسطر فيما يلي الخطوط العريضة لبرنامجنا.."
بأي أثر؟: هو ما يحدث بعد نشر الرسالة، هل هناك استجابة أم لا ؟
إننا نعلم بأن رد فعل المتلقي لبيان أول نوفمبر كان مزدوجا، ففي الوقت الذي تلقاه الشعب الجزائري بالإيجاب، كان رد فعل الاستعمار الفرنسي الاستخفاف وعدم أخذ الأمور بجدية، فقد تجاهل المسؤولون الفرنسيون ما جاء في البيان واكتفت تصريحاتهم بالإشارة إلى ما سمي بأحداث الشغب.
بيان أول نوفمبر كان إذا أول منشور سياسي للثورة، وقد واصلت جبهة التحرير الوطني استعمال هذه الوسيلة الإعلامية طوال السبع سنوات والنصف، لتعميم القرارات الصادرة عنها على الجماهير. وكان المنشور يوزع، بواسطة المناضلين، في جميع أنحاء الجزائر، وبلغت دقة التنظيم حد توزيع بعض المناشير في وقت واحد، وأحيانا في ساعة واحدة عبر مختلف مدن وقرى الجزائر.
استعمال المنشور كأسلوب للتأثير السياسي والمعنوي حقق إذن نتائج جد إيجابية، نسجل منها:
الاستجابة الشعبية الواسعة لنداءات وتوجيهات الثورة.
فرار الكثير من جنود اللفيف الأجنبي والتحاقهم بصفوف الثوار الذين كانوا يساعدونهم على العودة إلى بلدانهم.
اقتناع الكثير من الفرنسيين بعدالة القضية التي تناضل من أجلها جبهة التحرير الوطني.
2-الرسائل: استعملت الثورة الرسالة كوسيلة اتصال حيث كانت توجه رسائل شخصية إلى الفئات التالية: الشخصيات الفكرية والسياسية المعروفة على المستوى الدولي، المتعاونون مع العدو، جنود وضباط الجيش الفرنسي، المعمرون.
رسائل الثورة نوعان: تنويرية توضح فيها أسباب الثورة وأهدافها، وتحذيرية توجه إلى المتعاملين مع العدو تبين لهم فيها مخاطر تصرفاتهم ونتائجها الوخيمة .
نمودج من الرسائل التنويرية و هي موجهة إلى العاملين في الجيش الفرنسي : (( يا جنود فرنسا،
إنكم بعملكم في الجندية الفرنسية تخدمون مصالح المستعمرين و تتعذبون في سبيل سعادة وهناء أمثال RENE MEYERجلاد الأمة الجزائرية، وإذا متم فأنكم تموتون في سبيل شرذمة مستغلة لشعب بأكمله، أي أنكم تموتون فداء للاستعمار، إننا لسنا من قطاع الطرق، نحن جنود جيش التحرير الوطني نعمل في سبيل مبادئ العدالة الإنسانية، ولقد خدعوكم في شأننا، ففكروا في الأمر، إن إعانة المستعمرين الذين لفظتهم الإنسانية تعتبر جريمة لا تغتفر ضد شعب يدافع عن حقه. إن انتصارنا محقق، ولتسقط العنصرية .))
إذا تفحصنا محتوى هذه الرسالة فأننا نلاحظ ما يلي :
- فهم نفسية الأفراد الموجهة إليهم الرسالة بالتحدث إلى الأوروبيين عن مبادئ العدالة الإنسانية
- التخويف: "إن متم..."
- اتهامهم بالعنصرية: وهو اتهام خطير بالنسبة للأوروبيين عامة وللفرنسيين خاصة الذين بنوا دولتهم الحديثة على المبادئ الثلاثة للثورة الفرنسية .
3-الجرائد: هي الوسيلة الإعلامية الأعمق تأثيرا لأنها تخاطب العقل، لكنها في نفس الوقت تتطلب توفر عنصر القدرة على القراءة، ونحن نعلم أنه في سنة 1954 كانت نسبة الأمية في الجزائر تفوق ال 90بالمائة ، لكن، ورغم ذلك استعملت الثورة الجريدة لتوصيل صوتها خاصة للرأي العام الدولي. واستعمال الثورة لهذه الوسيلة كان عن قناعة بأن الجريدة المكتوبة تسائل الفكر، فهي تتوجه لجمهور مثقف، عادة، ويوجد من بين هذا الجمهور، صحفيون، سياسيون، مناضلو حقوق الإنسان، طلبة.. باختصار كل موجهي الرأي، الذين يتحولون، مع الوقت وباقتناعهم بعدالة القضية إلى موصلين وناشرين لأفكار و مبادئ الثورة .
من بين الجرائد التي صدرت عن الثورة نذكر:
- المقاومة الجزائرية، التي ظهرت منها ثلاث طبعات هي: طبعة باريس (نهاية 1955) وطبعة المغرب (1956) وطبعة تونس (منتصف1956). الطبعات الثلاث كانت تسرب إلى الجزائر بطريقة سرية، ولم يكن يوجد تنسيقا بينها.
- المجاهد، وهي أهم جرائد الثورة وأكثرها شهرة(3). صدرت في جوان 1956 بالقصبة، كانت تسحب بالرونيو، دمر مقرها خلال معركة الجزائر ولم يصدر العدد السابع،وفي جويلية 1957 نقلت إلى تيطوان بالمغرب. وفي أكتوبر 1957 نقلت إلى تونس و أصبحت الناطق الوحيد باسم جبهة التحرير الوطني. أشرف عليها عبان رمضان ثم أحمد بومنجل، وعند تأسيس الحكومة المؤقتة في سنة 1958 أصبحت تتبع لوزارة الأخبار، وكانت توزع في كل عواصم العالم باللغتين العربية والفرنسية وترسل بالبريد إلى الشخصيات والهيئات الدولية . قامت بدور كبير في التعريف بالقضية الجزائرية وفي فضح أساليب الإبادة الاستعمارية بالجزائر.
المجاهد كانت موجهة بالأساس إلى الخارج، وهو ما يتضح من خلال محتواها الذي شكل مادة خام لكثير من الدارسين بالجزائر وبالخارج، نذكر منها على الخصوص الدراسة القيمة التي قامت بها الفرنسية مونيك قادون (4) بعنوان -Islam et nationalisme en Algerie d’aprés El Moudjahid 1956-1962.{الإسلام والوطنية من خلال المجاهد 1956-1962.}
تقول صاحبة هذه الدراسة أن المجاهد جريدة حزبية ذات سحب ضعيف، عملت جاهدة للوقوف ضد وسائل إعلام القوة الاستعمارية. كانت معركة غير متساوية ... وهي أي المجاهد، كانت تتوجه، خاصة إلى الحكومات والرأي العام الدولي، لجعلهم شاهدين ولمساءلتهم . كذلك كتبت تقول السيدة مونيك قادون.
من المهام التي قامت بها المجاهد هي أنها سهلت لوكالات الأنباء الأجنبية المرور مباشرة إلى إعلام واتصال ج.ت.و كما ساهمت ،بنشاط، من خلال الاستطلاعات والتحقيقات التي كانت تنشرها حول الحياة في الجبال، وعن جرائم الفرنسيين في الجزائر، في تكوين رأي عام دولي لصالح القضية الجزائرية.
إلى جانب جريدتي ( المقاومة الجزائرية ) و( الجاهد) ظهرت جرائد أخرى نذكر منها:
العامل الجزائري.
الشباب الجزائري.
جرائد الولايات، حيث كان لكل ولاية جريدة خاصة بها.
4- برقيات وكالة الأنباء الجزائرية :
في سنة 1961 أنشأت قيادة الثورة وكالة للأنباء وكان مقرها في تونس. هذه الوكالة كان الهدف من إنشائها هو جعلها الوسيلة الحاملة لصوت الجزائر للخارج وخاصة نحو وسائل الإعلام العالمية .
أسندت لوكالة الأنباء الجزائرية المهام التالية :
الإشراف على كل ما يتعلق بالثورة الجزائرية من أنباء و تعاليق ومراجعتها بدقة.
إعداد نشرة إخبارية يومية باللغتين العربية والفرنسية توزع على مكاتب وكالات الأنباء الأجنبية.
تبادل الخدمات الإعلامية مع الوكالات العالمية.
الاتصال الشخصي أو المباشر : هو النوع الأكثر أنشارا والأسرع تأثيرا. وقد ساعد على تسهيل مهمة الثورة فقدان العدو لكل مصداقية.
المصداقية لها أهمية خاصة في مجال الاتصال الشخصي، فيما بعد لما تحدث ديغول عن إجراءات لصالح الجزائريين "مشروع قسنطينة، سلم الشجعان ..." لم يصدقه أحد لأنه كان يتكلم باسم نظام فقد كل مصداقية في الجزائر، بينما نجح الاتصال الشخصي الممارس من طرف الثورة. أن هذه الأخيرة كانت تحتار أحسن وأكفأ وأقدر أفرادها للقيام بالاتصال بالمواطنين.
أخلاق وتصرفات وانضباط أفراد جيش التحرير الوطني كانت تسهل الاتصال المباشر وتجعل المواطنين يقبلون على الاستماع إلى المتحدثين و الناقلين لأخبار الثورة وتوجيهاتها، وكان يقوم بهذه المهمة المرشدون السياسيون الذين أصبحوا يعرفون فيما بعد بالمحافظين السياسيين(5).
ج- الاتصال المسموع أي عن طريق الإذاعة : كانت الإذاعة هي أهم وسيلة إعلامية خلال فترة الثورة المسلحة؛ التلفزيون لم يكن منتشرا بكثرة، وهو دخل الجزائر سنة 1956؛ ونظرا لأهمية الإذاعة في تجنيد الجماهير الجزائرية وتبليغها صوت وأخبار الثورة. قيادة الثورة استعملت الإذاعات التالية :
- إذاعة القاهرة: كانت تقدم من خلالها، بدءا من سنة 1955 برنامجا يوميا بالعربية هــو (صوت جبهة التح
publié par adimi dans: adimiahmed