الإرهاب والمداحات
نشر بالخبر يوم 16 أكتوبر 2007
في مرحلة السبعينيات من القرن الماضي كان الجزائري يتعجب من وضع الشعب التونسي الشقيق الذي يمارس عبادة الشخصية بكل خضوع وإذعان. وقتها كان الحبيب بورقيبة هو الذي يحكم تونس وكان يحلو له التلذذ بسماع الشعراء والمنشدين وهم يرتلون أشعارا ومدائح تتغنى بخصائله وعظمته. ولما أبعد المجاهد الأكبر من الحكم لم نعد نسمع أن شاعرا واحدا أو مغنيا واحدا قال كلمة طيبة في الرئيس السابق. في تلك المرحلة لم يكن يوجد في الجزائر لا مجاهد أكبر ولا مجاهد أصغر ف "الشعب هو المجاهد الأكبر".
ومات بومدين، رحمه الله، وخلفه الشاذلي بن جديد، أطال الله في عمره، وبدأ القوم عندنا يمارسون "طقوس" عبادة الشخصية، حتى أن شاعرا وضع الشاذلي بن جديد في مستوى ثورة نوفمبر العظيمة عندما ألقى أمامه قصيدة جاءت فيها عبارة "الشاذلي أو نوفمبر" بمعنى أن الأول يساوي الثاني. في هذه الفترة ظهر الكثير من "المداحين" الذين كانوا يستغلون كل فرصة وكل المجالات للتقرب من الجالس على كرسي الحكم إلى حد أن أحد رجال الدين شبه، في حديث ديني متلفز، كلام الشاذلي بن جديد ب "الكلام النفيس".
لكن بمجرد أن غادر الشاذلي الحكم لم يعد أحد من الذين كانوا يقدسونه يتذكره أو يقول فيه كلمة خير.
ولما دخلت الجزائر مرحلة العنف، فرغت الساحة من كل المداحين والمزايدين في الوطنية والمتحمسين للسلطة وعجز المسئولون، مرات عديدة، عن تنظيم أي لقاء أو حفلة أو ندوة فكرية يحضرها أربعة أو خمسة أنفار.
مع بداية الألفية الثالثة، بدأ الأمن يستتب فراحت الألسن تتمدد والأقلام يسيل حبرها لكن ليس لشحذ الهمم ودفعها لإعادة بناء ما خربه الإرهاب ومحاربة الفساد بل لمدح الحاكم الجديد.
في سطيف، وفي حفل نقله التلفزيون على المباشر، وقف "إطار سام" متقاعد وسط الدرابكية والزرانجية وراح يمدح الرئيس، الذي حضر الحفل، بقصيدة مطلعها: "الأمم برجالها والجزائر بعزيزها" مشيرا الى السيد عبد العزيز بوتفليقة.
بعد الشاعر الذي وضع الرئيس السابق الشاذلي بن جديد في مستوى ثورة نوفمبر العظيمة، يضع هذا الإطار المتقاعد الرئيس الحالي في مستوى الجزائر كلها. إنه يختزل كل رجال البلد في شخص الرئيس.
وفتح باب المديح أمام مرتزقة الكلمة لينظموا أشعارا ويلحنون أغان يحاولون التقرب من خلالها إلى رئيس الجمهورية لعله يعطف عليهم بمنصب أو بتكريم.
خلال السنوات الأخيرة أحتل هذا النوع من البشر الساحة وانتشر في كل مجالات الحياة:السياسية، الثقافية، الإعلامية، الجمعوية، الحزبية...
يحدث هذا مع بداية الألفية الثالثة، مع أن التجارب أثبتت أن الحضارات والدول لا يبنيها كل قواد "شيات" بل العظماء من الرجال الذين لا تنحني رؤوسهم..
وجود هذا النوع من البشر وانفراده بالظهور في أهم وسائل إتصال الدولة يفقد الثقة في السلطة، ويجعل البلاد، لا تستفيد من الكفاءات الحقيقية التي لا تعرف ممارسة فنون التزلف والتقرب. الإطارات الوطنية المتخلقة والمتأصلة لا تستطيع منافسة ولا التعايش مع هذه الفئات التي لا أخلاق ولا رجولة ولا ذمة لها.
الذين لا يتركون أية فرصة الا ويستغلونها لإعلان حبهم وتعلقهم بشخص رئيس الجمهورية هم مطالبون –إن كانوا صادقين- بالعمل أكثر من غيرهم لتثبيت دعائم المصالحة الوطنية واستباب الأمن ومحاربة الفساد المالي. الجزائر اليوم ليست في حاجة للكلام والبلاغة والخطب والأشعار الرديئة بقدر حاجتها لأناس يضحون فعلا من أجلها دون أن يغرفوا من المال العام.
الولاة الذين "يعبئون" آلاف المواطنين، أو "يستلفونهم" من ولايات أخرى، لتنظيم استقبالات شعبية حاشدة يكون أفضل للسلطة وللبلد لو أنهم وجهوا طاقاتهم للتقرب من الفلاحين وحل مشاكلهم حتى لا تستورد الجزائر البطاطا المخصصة للخنازير من كندا.
رؤساء بعض الجمعيات الذين يطلون علينا من التلفزيون كل مساء تقريبا ليعلنوا "تجندهم التام" لتطبيق برنامج رئيس الجمهورية يكون أفضل لهم وللسلطة وللبلد لو أنهم تجندوا، مثلما قال الصحافي الجزائري الكبير سعد بوعقبة، للعمل على إقناع الإرهابيين الذين يفجرون المواطنين ورجال الأمن ومنشآت الدولة بالرجوع إلى جادة الطريق. لنتصور كم تستفيد الجزائر لو تقوم كل جمعية بإقناع إرهابي واحد بالعدول عن الإجرام.
المتملقون الذين يجيدون صناعة الكلام يكون أفضل لهم وللسلطة وللبلد لو يستغلون مواهبهم الكلامية في إقناع الشباب للابتعاد عن المخدرات التي تشكل خطرا لا تقل آثاره عن آثار الإرهاب.
لو يقوم كل هؤلاء القوم بادوارهم على هذا الشكل –ودون أن يستفيدوا من المال العام- فأنهم يبرهنون بالفعل عن تعلقهم بالسيد رئيس الجمهورية وببرنامجه وبالجزائر.
ahmedadimi@yahoo.fr
ومات بومدين، رحمه الله، وخلفه الشاذلي بن جديد، أطال الله في عمره، وبدأ القوم عندنا يمارسون "طقوس" عبادة الشخصية، حتى أن شاعرا وضع الشاذلي بن جديد في مستوى ثورة نوفمبر العظيمة عندما ألقى أمامه قصيدة جاءت فيها عبارة "الشاذلي أو نوفمبر" بمعنى أن الأول يساوي الثاني. في هذه الفترة ظهر الكثير من "المداحين" الذين كانوا يستغلون كل فرصة وكل المجالات للتقرب من الجالس على كرسي الحكم إلى حد أن أحد رجال الدين شبه، في حديث ديني متلفز، كلام الشاذلي بن جديد ب "الكلام النفيس".
لكن بمجرد أن غادر الشاذلي الحكم لم يعد أحد من الذين كانوا يقدسونه يتذكره أو يقول فيه كلمة خير.
ولما دخلت الجزائر مرحلة العنف، فرغت الساحة من كل المداحين والمزايدين في الوطنية والمتحمسين للسلطة وعجز المسئولون، مرات عديدة، عن تنظيم أي لقاء أو حفلة أو ندوة فكرية يحضرها أربعة أو خمسة أنفار.
مع بداية الألفية الثالثة، بدأ الأمن يستتب فراحت الألسن تتمدد والأقلام يسيل حبرها لكن ليس لشحذ الهمم ودفعها لإعادة بناء ما خربه الإرهاب ومحاربة الفساد بل لمدح الحاكم الجديد.
في سطيف، وفي حفل نقله التلفزيون على المباشر، وقف "إطار سام" متقاعد وسط الدرابكية والزرانجية وراح يمدح الرئيس، الذي حضر الحفل، بقصيدة مطلعها: "الأمم برجالها والجزائر بعزيزها" مشيرا الى السيد عبد العزيز بوتفليقة.
بعد الشاعر الذي وضع الرئيس السابق الشاذلي بن جديد في مستوى ثورة نوفمبر العظيمة، يضع هذا الإطار المتقاعد الرئيس الحالي في مستوى الجزائر كلها. إنه يختزل كل رجال البلد في شخص الرئيس.
وفتح باب المديح أمام مرتزقة الكلمة لينظموا أشعارا ويلحنون أغان يحاولون التقرب من خلالها إلى رئيس الجمهورية لعله يعطف عليهم بمنصب أو بتكريم.
خلال السنوات الأخيرة أحتل هذا النوع من البشر الساحة وانتشر في كل مجالات الحياة:السياسية، الثقافية، الإعلامية، الجمعوية، الحزبية...
يحدث هذا مع بداية الألفية الثالثة، مع أن التجارب أثبتت أن الحضارات والدول لا يبنيها كل قواد "شيات" بل العظماء من الرجال الذين لا تنحني رؤوسهم..
وجود هذا النوع من البشر وانفراده بالظهور في أهم وسائل إتصال الدولة يفقد الثقة في السلطة، ويجعل البلاد، لا تستفيد من الكفاءات الحقيقية التي لا تعرف ممارسة فنون التزلف والتقرب. الإطارات الوطنية المتخلقة والمتأصلة لا تستطيع منافسة ولا التعايش مع هذه الفئات التي لا أخلاق ولا رجولة ولا ذمة لها.
الذين لا يتركون أية فرصة الا ويستغلونها لإعلان حبهم وتعلقهم بشخص رئيس الجمهورية هم مطالبون –إن كانوا صادقين- بالعمل أكثر من غيرهم لتثبيت دعائم المصالحة الوطنية واستباب الأمن ومحاربة الفساد المالي. الجزائر اليوم ليست في حاجة للكلام والبلاغة والخطب والأشعار الرديئة بقدر حاجتها لأناس يضحون فعلا من أجلها دون أن يغرفوا من المال العام.
الولاة الذين "يعبئون" آلاف المواطنين، أو "يستلفونهم" من ولايات أخرى، لتنظيم استقبالات شعبية حاشدة يكون أفضل للسلطة وللبلد لو أنهم وجهوا طاقاتهم للتقرب من الفلاحين وحل مشاكلهم حتى لا تستورد الجزائر البطاطا المخصصة للخنازير من كندا.
رؤساء بعض الجمعيات الذين يطلون علينا من التلفزيون كل مساء تقريبا ليعلنوا "تجندهم التام" لتطبيق برنامج رئيس الجمهورية يكون أفضل لهم وللسلطة وللبلد لو أنهم تجندوا، مثلما قال الصحافي الجزائري الكبير سعد بوعقبة، للعمل على إقناع الإرهابيين الذين يفجرون المواطنين ورجال الأمن ومنشآت الدولة بالرجوع إلى جادة الطريق. لنتصور كم تستفيد الجزائر لو تقوم كل جمعية بإقناع إرهابي واحد بالعدول عن الإجرام.
المتملقون الذين يجيدون صناعة الكلام يكون أفضل لهم وللسلطة وللبلد لو يستغلون مواهبهم الكلامية في إقناع الشباب للابتعاد عن المخدرات التي تشكل خطرا لا تقل آثاره عن آثار الإرهاب.
لو يقوم كل هؤلاء القوم بادوارهم على هذا الشكل –ودون أن يستفيدوا من المال العام- فأنهم يبرهنون بالفعل عن تعلقهم بالسيد رئيس الجمهورية وببرنامجه وبالجزائر.
ahmedadimi@yahoo.fr
Commentaires
Pas de commentaire pour cet article
Ajouter un commentaire