الجزائر واقفة برجالها
" بفضل أغنية الراي والبطلة حسيبة بولمرقة إلى جانب آخرين بقت الجزائر التي مرت بمرحلة رديئة واقفة".
هذه الكلام ليس لمخمور خرج لتوه من ماخور شبع فيه رقصا على أنغام أغاني ''الراي''. إنها لشخص وضع على رأس أكبر جهاز إعلامي في البلد: التلفزيون.
هل يدرك السيد حمراوي حبيب شوقي، المدير العام للتلفزيون الجزائري، معنى كلامه هذا، الذي صرح به لجريدة الوطن ليوم 22 جانفي 2006 ؟
دون الدخول في نقاش حول أغنية ''الراي'' ودورها في المجتمع الجزائري وعن الجهات، في الداخل وفي الخارج، التي تعمل على نشرها.. لأن ذلك مستوى آخرا من النقاش لا أود أن أحشر نفسي فيه، أقول أن السيد حمراوي حبيب شوقي يرتكب خطأ فادحا في حق الشهداء والمخلصين من أبناء الجزائر عندما يعتبرهم مجرد (آخرين) كان لهم دور ما، إلى جانب ''الراي'' وبولمرقة، في بقاء الجزائر واقفة.
لا أدري إن كان السيد حبيب شوقي يتذكر صور مآسي تلك المرحلة. لقد فر من فر إلى الخارج، وتحصن من تحصن في إقامة الدولة بموريتي، وتحجب (بالمفهوم العامي) من المسئولين الكبار الذين لم يعودوا يتحركون سوى في وضح النهار وفي وسط حماية مدججة بالأسلحة، من تحجب. في هذه الظروف بالذات، والسيد حبيب شوقي يعلم ذلك جيدا، لم يعد هناك من يغني أو يكتب شعرا أو يقول كلمة حق أو حتى يجري. الجميع انسحب من الساحة. لم يبق صامدا سوى الذين لم يكن لهم وطن بديل من أفراد الجيش الوطني الشعبي وأسلاك الأمن وبعض الصحافيين والمجاهدين وأفراد الشعب البسيط.
غريب أمر السيد حبيب شوقي. لماذا يزج بنفسه في موضوع كهذا؟ هل يتصور بأنه من السهل اعتبار تضحيات الآلاف من الجزائريين من أجل محاربة الإرهاب والقضاء عليه مساوية لأغاني الراي؟
أعتقد أن مجرد الوفاء لرفاق الأمس، الشهداء، الذين يسميهم البعض ب "شهداء الواجب الوطني"، يقتضي منا مواجهة مثل هذا الكلام الغير مسئول لأنه لن يعمل سوى على طمس ذاكرة الشعب والحط من قيمة الأبطال الوطنيين الحقيقيين لصالح نماذج مخنثة، شاذة ثقافيا وسياسيا وفكريا واجتماعيا.
''الراي'' ( وبولمرقة التي أكن لها الكثير من الاحترام) وجدا تلفزيون حبيب شوقي ليتكلم عنهما ويجعل منهما بطلان أنقذا الجزائر، بينما أبطال الجزائر الحقيقيين الذين كانوا يواجهون الموت في كل لحظة، بل اللذين صارعوا الموت.. هؤلاء لا أحد تحدث أو يتحدث عنهم. لقد أستشهد الكثير منهم في صمت، وفقد البعض منهم أطرافه أو أجزاء من جسمه، وعاش آخرون، ولسنوات طويلة، في ظروف هي في غاية القسوة.. كل ذلك فقط من أجل أن تبقى الجزائر واقفة. هكذا هي الجزائر، مثل المرأة الجميلة والغنية، البعض يحترق بحبها ويدفع كل ما يملك من أجلها في صمت وبدون حساب؛ والبعض يخونها، وكأنها تتلذذ بالخيانة، فتفيض عليه وعلى ذريته من بعده بمالها وجمالها.
لقد كان لكاتب هذه الكلمات شرف المشاركة، أثناء مرحلة الإرهاب، في دفن العشرات من الشهداء، بالجهة الغربية للوطن، وكان من بينهم الكثير من أبناء الشهداء.
تحضرني هنا حالتان عايشتهما شخصيا، لا بد أن أشير لهما عل الذي يدعي بأن الجزائر بقت واقفة بفضل ''الراي'' يعود إليه وعيه ويسترجع رأيه.
الحالة الأولى هي حالة المقدم لدهم، رحمه الله، ابن الشهيد، الذي كان من خيرة أبناء الجزائر، ومن أكفأ إطارات الجيش الوطني الشعبي. المقدم لدهم كان مهندسا متخصصا في المتفجرات. خلال الزمن الصعب الذي مرت به الجزائر كان يجوب إقليم الناحية العسكرية الثانية باحثا عن الألغام التي كان يضعها زارعو الموت فيفكها ويبطل مفعولها. المقدم أدهم لم يتردد يوما في القيام بعمله رغم الأخطار المحدقة به، ورغم الجهد الكبير الذي كان يبذله لم يشكو يوما ولم يتخاذل أو يخاف .... المقدم أدهم اغتالته رصاصة غدر ذات يوم، وكاتب هذه الكلمات كان من بين زميلين آخرين كلفا بتبليغ النبأ السيئ لأم ذاك وحيدها ولزوجة هي مريضة. المرآتان كانتا تسكنان معا في سكن وظيفي تابع للجيش، هو كل ما كان يأوي المقدم لدهم ابن الشهيد. الشهيد حرر الأرض والابن استشهد دون أن يترك بيتا لأبنائه.
الحالة الثانية هي حالة مجاهد كبير ومعروف، انه المجاهد علي الشريف، رحمه الله. الشريف ابن مدينة سيق، بالغرب الجزائري. التحق بالثورة المسلحة وهو في ريعان الشباب. حارب القوات الفرنسية بالشرق الجزائري. بعد الاستقلال، واصل جهاده بالجيش الوطني الشعبي حيث قاد العديد من الوحدات العسكرية وكون الآلاف، خاصة في الأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال وبالمدرسة الوطنية لتكوين ضباط الاحتياط بالبليدة. قبل أن يتقاعد دفع المقدم الشريف باثنين من أبنائه إلى صفوف الجيش الوطني الشعبي. سنوات بعد ذلك، عاد له الابن الأول محمولا في صندوق. أستشهد الابن وهو يؤدي واجبه لحماية الجزائر من الإرهاب. أشهر قليلة فيما بعد، يعود له الابن الثاني، الذي كان يحمل رتبة نقيب، في صندوق آخر. سقط الابن الثاني شهيدا في نقس المنطقة التي حارب فيها الأب جحافل الاستعمار الفرنسي. كاتب هذه الكلمات كلف، مع رفاق السلاح، باستقبال الجثمان الطاهر في مطار طافراوي بوهران ومرافقته إلى مثواه الأخير بمسقط رأسه، وبإلقاء كلمة تأبين. في مدينة سيق، استقبل الأب المجاهد جثمان الابن الشهيد، وكان صابرا، صامدا. رحب بمرافقي الجثمان في بيته المتواضع جدا؛ وسار وراء نعش ابنه مع الآلاف من أبناء مدينة سيق الذين جاؤوا لتوديع ابنهم الشهيد. المجاهد بقى شامخا رافعا رأسه معتزا بما قدم للجزائر. في كلمة التأبين جاءت هذه العبارة: ''جرت العادة أن يدفن الأبناء الآباء، ولكن ها هو الأب المجاهد يدفن ابنه الشهيد..."، عندها سقطت دمعات من عيني المجاهد علي الشريف، ولعلها المرة الأولى التي رأى فيها أبناء مدينة سيق بطلهم باكيا.
هاتان حالتان فقط من بين آلاف الحالات التي بلغ حد التضحية فيها أحيانا مستوى الأساطير. فكيف نضع مثل هؤلاء الذين أعطوا الجزائر دون أن يأخذوا منها شيئا في نفس مستوى الذين استفادوا ولعلهم لم يفيدوا؟
إن أمة يسمو فيها ''الزرناجي'' و''الغياط'' والطبال والمداح على الشهيد والمجاهد والأستاذ الجامعي والمفكر، هي أمة لا تسير إلى الأمام أبدا.
ذات مرة، قال لي مجاهد انه يتمنى أن يموت قبل أن يأتي يوما يحاسب فيه لأنه شارك في محاربة فرنسا خلال الثورة التحريرية، واني لأتساءل: هل نطلب من ربنا أن يعجل بأمرنا حتى لا يأتي يوما نحاسب فيه لأننا كنا من أفراد الجيش الوطني الشعبي، في مرحلة محاربة الإرهاب، ولم نفر ولم نستقيل؟
هذه الكلام ليس لمخمور خرج لتوه من ماخور شبع فيه رقصا على أنغام أغاني ''الراي''. إنها لشخص وضع على رأس أكبر جهاز إعلامي في البلد: التلفزيون.
هل يدرك السيد حمراوي حبيب شوقي، المدير العام للتلفزيون الجزائري، معنى كلامه هذا، الذي صرح به لجريدة الوطن ليوم 22 جانفي 2006 ؟
دون الدخول في نقاش حول أغنية ''الراي'' ودورها في المجتمع الجزائري وعن الجهات، في الداخل وفي الخارج، التي تعمل على نشرها.. لأن ذلك مستوى آخرا من النقاش لا أود أن أحشر نفسي فيه، أقول أن السيد حمراوي حبيب شوقي يرتكب خطأ فادحا في حق الشهداء والمخلصين من أبناء الجزائر عندما يعتبرهم مجرد (آخرين) كان لهم دور ما، إلى جانب ''الراي'' وبولمرقة، في بقاء الجزائر واقفة.
لا أدري إن كان السيد حبيب شوقي يتذكر صور مآسي تلك المرحلة. لقد فر من فر إلى الخارج، وتحصن من تحصن في إقامة الدولة بموريتي، وتحجب (بالمفهوم العامي) من المسئولين الكبار الذين لم يعودوا يتحركون سوى في وضح النهار وفي وسط حماية مدججة بالأسلحة، من تحجب. في هذه الظروف بالذات، والسيد حبيب شوقي يعلم ذلك جيدا، لم يعد هناك من يغني أو يكتب شعرا أو يقول كلمة حق أو حتى يجري. الجميع انسحب من الساحة. لم يبق صامدا سوى الذين لم يكن لهم وطن بديل من أفراد الجيش الوطني الشعبي وأسلاك الأمن وبعض الصحافيين والمجاهدين وأفراد الشعب البسيط.
غريب أمر السيد حبيب شوقي. لماذا يزج بنفسه في موضوع كهذا؟ هل يتصور بأنه من السهل اعتبار تضحيات الآلاف من الجزائريين من أجل محاربة الإرهاب والقضاء عليه مساوية لأغاني الراي؟
أعتقد أن مجرد الوفاء لرفاق الأمس، الشهداء، الذين يسميهم البعض ب "شهداء الواجب الوطني"، يقتضي منا مواجهة مثل هذا الكلام الغير مسئول لأنه لن يعمل سوى على طمس ذاكرة الشعب والحط من قيمة الأبطال الوطنيين الحقيقيين لصالح نماذج مخنثة، شاذة ثقافيا وسياسيا وفكريا واجتماعيا.
''الراي'' ( وبولمرقة التي أكن لها الكثير من الاحترام) وجدا تلفزيون حبيب شوقي ليتكلم عنهما ويجعل منهما بطلان أنقذا الجزائر، بينما أبطال الجزائر الحقيقيين الذين كانوا يواجهون الموت في كل لحظة، بل اللذين صارعوا الموت.. هؤلاء لا أحد تحدث أو يتحدث عنهم. لقد أستشهد الكثير منهم في صمت، وفقد البعض منهم أطرافه أو أجزاء من جسمه، وعاش آخرون، ولسنوات طويلة، في ظروف هي في غاية القسوة.. كل ذلك فقط من أجل أن تبقى الجزائر واقفة. هكذا هي الجزائر، مثل المرأة الجميلة والغنية، البعض يحترق بحبها ويدفع كل ما يملك من أجلها في صمت وبدون حساب؛ والبعض يخونها، وكأنها تتلذذ بالخيانة، فتفيض عليه وعلى ذريته من بعده بمالها وجمالها.
لقد كان لكاتب هذه الكلمات شرف المشاركة، أثناء مرحلة الإرهاب، في دفن العشرات من الشهداء، بالجهة الغربية للوطن، وكان من بينهم الكثير من أبناء الشهداء.
تحضرني هنا حالتان عايشتهما شخصيا، لا بد أن أشير لهما عل الذي يدعي بأن الجزائر بقت واقفة بفضل ''الراي'' يعود إليه وعيه ويسترجع رأيه.
الحالة الأولى هي حالة المقدم لدهم، رحمه الله، ابن الشهيد، الذي كان من خيرة أبناء الجزائر، ومن أكفأ إطارات الجيش الوطني الشعبي. المقدم لدهم كان مهندسا متخصصا في المتفجرات. خلال الزمن الصعب الذي مرت به الجزائر كان يجوب إقليم الناحية العسكرية الثانية باحثا عن الألغام التي كان يضعها زارعو الموت فيفكها ويبطل مفعولها. المقدم أدهم لم يتردد يوما في القيام بعمله رغم الأخطار المحدقة به، ورغم الجهد الكبير الذي كان يبذله لم يشكو يوما ولم يتخاذل أو يخاف .... المقدم أدهم اغتالته رصاصة غدر ذات يوم، وكاتب هذه الكلمات كان من بين زميلين آخرين كلفا بتبليغ النبأ السيئ لأم ذاك وحيدها ولزوجة هي مريضة. المرآتان كانتا تسكنان معا في سكن وظيفي تابع للجيش، هو كل ما كان يأوي المقدم لدهم ابن الشهيد. الشهيد حرر الأرض والابن استشهد دون أن يترك بيتا لأبنائه.
الحالة الثانية هي حالة مجاهد كبير ومعروف، انه المجاهد علي الشريف، رحمه الله. الشريف ابن مدينة سيق، بالغرب الجزائري. التحق بالثورة المسلحة وهو في ريعان الشباب. حارب القوات الفرنسية بالشرق الجزائري. بعد الاستقلال، واصل جهاده بالجيش الوطني الشعبي حيث قاد العديد من الوحدات العسكرية وكون الآلاف، خاصة في الأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال وبالمدرسة الوطنية لتكوين ضباط الاحتياط بالبليدة. قبل أن يتقاعد دفع المقدم الشريف باثنين من أبنائه إلى صفوف الجيش الوطني الشعبي. سنوات بعد ذلك، عاد له الابن الأول محمولا في صندوق. أستشهد الابن وهو يؤدي واجبه لحماية الجزائر من الإرهاب. أشهر قليلة فيما بعد، يعود له الابن الثاني، الذي كان يحمل رتبة نقيب، في صندوق آخر. سقط الابن الثاني شهيدا في نقس المنطقة التي حارب فيها الأب جحافل الاستعمار الفرنسي. كاتب هذه الكلمات كلف، مع رفاق السلاح، باستقبال الجثمان الطاهر في مطار طافراوي بوهران ومرافقته إلى مثواه الأخير بمسقط رأسه، وبإلقاء كلمة تأبين. في مدينة سيق، استقبل الأب المجاهد جثمان الابن الشهيد، وكان صابرا، صامدا. رحب بمرافقي الجثمان في بيته المتواضع جدا؛ وسار وراء نعش ابنه مع الآلاف من أبناء مدينة سيق الذين جاؤوا لتوديع ابنهم الشهيد. المجاهد بقى شامخا رافعا رأسه معتزا بما قدم للجزائر. في كلمة التأبين جاءت هذه العبارة: ''جرت العادة أن يدفن الأبناء الآباء، ولكن ها هو الأب المجاهد يدفن ابنه الشهيد..."، عندها سقطت دمعات من عيني المجاهد علي الشريف، ولعلها المرة الأولى التي رأى فيها أبناء مدينة سيق بطلهم باكيا.
هاتان حالتان فقط من بين آلاف الحالات التي بلغ حد التضحية فيها أحيانا مستوى الأساطير. فكيف نضع مثل هؤلاء الذين أعطوا الجزائر دون أن يأخذوا منها شيئا في نفس مستوى الذين استفادوا ولعلهم لم يفيدوا؟
إن أمة يسمو فيها ''الزرناجي'' و''الغياط'' والطبال والمداح على الشهيد والمجاهد والأستاذ الجامعي والمفكر، هي أمة لا تسير إلى الأمام أبدا.
ذات مرة، قال لي مجاهد انه يتمنى أن يموت قبل أن يأتي يوما يحاسب فيه لأنه شارك في محاربة فرنسا خلال الثورة التحريرية، واني لأتساءل: هل نطلب من ربنا أن يعجل بأمرنا حتى لا يأتي يوما نحاسب فيه لأننا كنا من أفراد الجيش الوطني الشعبي، في مرحلة محاربة الإرهاب، ولم نفر ولم نستقيل؟
publié par adimi dans: adimiahmed