الجزائر واقفة برجالها
" بفضل أغنية الراي والبطلة حسيبة بولمرقة إلى جانب آخرين بقت الجزائر التي مرت بمرحلة رديئة واقفة".
هذه الكلام ليس لمخمور خرج لتوه من ماخور شبع فيه رقصا على أنغام أغاني ''الراي''. إنها لشخص وضع على رأس أكبر جهاز إعلامي في البلد: التلفزيون.
هل يدرك السيد حمراوي حبيب شوقي، المدير العام للتلفزيون الجزائري، معنى كلامه هذا، الذي صرح به لجريدة الوطن ليوم 22 جانفي 2006 ؟
دون الدخول في نقاش حول أغنية ''الراي'' ودورها في المجتمع الجزائري وعن الجهات، في الداخل وفي الخارج، التي تعمل على نشرها.. لأن ذلك مستوى آخرا من النقاش لا أود أن أحشر نفسي فيه، أقول أن السيد حمراوي حبيب شوقي يرتكب خطأ فادحا في حق الشهداء والمخلصين من أبناء الجزائر عندما يعتبرهم مجرد (آخرين) كان لهم دور ما، إلى جانب ''الراي'' وبولمرقة، في بقاء الجزائر واقفة.
لا أدري إن كان السيد حبيب شوقي يتذكر صور مآسي تلك المرحلة. لقد فر من فر إلى الخارج، وتحصن من تحصن في إقامة الدولة بموريتي، وتحجب (بالمفهوم العامي) من المسئولين الكبار الذين لم يعودوا يتحركون سوى في وضح النهار وفي وسط حماية مدججة بالأسلحة، من تحجب. في هذه الظروف بالذات، والسيد حبيب شوقي يعلم ذلك جيدا، لم يعد هناك من يغني أو يكتب شعرا أو يقول كلمة حق أو حتى يجري. الجميع انسحب من الساحة. لم يبق صامدا سوى الذين لم يكن لهم وطن بديل من أفراد الجيش الوطني الشعبي وأسلاك الأمن وبعض الصحافيين والمجاهدين وأفراد الشعب البسيط.
غريب أمر السيد حبيب شوقي. لماذا يزج بنفسه في موضوع كهذا؟ هل يتصور بأنه من السهل اعتبار تضحيات الآلاف من الجزائريين من أجل محاربة الإرهاب والقضاء عليه مساوية لأغاني الراي؟
أعتقد أن مجرد الوفاء لرفاق الأمس، الشهداء، الذين يسميهم البعض ب "شهداء الواجب الوطني"، يقتضي منا مواجهة مثل هذا الكلام الغير مسئول لأنه لن يعمل سوى على طمس ذاكرة الشعب والحط من قيمة الأبطال الوطنيين الحقيقيين لصالح نماذج مخنثة، شاذة ثقافيا وسياسيا وفكريا واجتماعيا.
''الراي'' ( وبولمرقة التي أكن لها الكثير من الاحترام) وجدا تلفزيون حبيب شوقي ليتكلم عنهما ويجعل منهما بطلان أنقذا الجزائر، بينما أبطال الجزائر الحقيقيين الذين كانوا يواجهون الموت في كل لحظة، بل اللذين صارعوا الموت.. هؤلاء لا أحد تحدث أو يتحدث عنهم. لقد أستشهد الكثير منهم في صمت، وفقد البعض منهم أطرافه أو أجزاء من جسمه، وعاش آخرون، ولسنوات طويلة، في ظروف هي في غاية القسوة.. كل ذلك فقط من أجل أن تبقى الجزائر واقفة. هكذا هي الجزائر، مثل المرأة الجميلة والغنية، البعض يحترق بحبها ويدفع كل ما يملك من أجلها في صمت وبدون حساب؛ والبعض يخونها، وكأنها تتلذذ بالخيانة، فتفيض عليه وعلى ذريته من بعده بمالها وجمالها.
لقد كان لكاتب هذه الكلمات شرف المشاركة، أثناء مرحلة الإرهاب، في دفن العشرات من الشهداء، بالجهة الغربية للوطن، وكان من بينهم الكثير من أبناء الشهداء.
تحضرني هنا حالتان عايشتهما شخصيا، لا بد أن أشير لهما عل الذي يدعي بأن الجزائر بقت واقفة بفضل ''الراي'' يعود إليه وعيه ويسترجع رأيه.
الحالة الأولى هي حالة المقدم لدهم، رحمه الله، ابن الشهيد، الذي كان من خيرة أبناء الجزائر، ومن أكفأ إطارات الجيش الوطني الشعبي. المقدم لدهم كان مهندسا متخصصا في المتفجرات. خلال الزمن الصعب الذي مرت به الجزائر كان يجوب إقليم الناحية العسكرية الثانية باحثا عن الألغام التي كان يضعها زارعو الموت فيفكها ويبطل مفعولها. المقدم أدهم لم يتردد يوما في القيام بعمله رغم الأخطار المحدقة به، ورغم الجهد الكبير الذي كان يبذله لم يشكو يوما ولم يتخاذل أو يخاف .... المقدم أدهم اغتالته رصاصة غدر ذات يوم، وكاتب هذه الكلمات كان من بين زميلين آخرين كلفا بتبليغ النبأ السيئ لأم ذاك وحيدها ولزوجة هي مريضة. المرآتان كانتا تسكنان معا في سكن وظيفي تابع للجيش، هو كل ما كان يأوي المقدم لدهم ابن الشهيد. الشهيد حرر الأرض والابن استشهد دون أن يترك بيتا لأبنائه.
الحالة الثانية هي حالة مجاهد كبير ومعروف، انه المجاهد علي الشريف، رحمه الله. الشريف ابن مدينة سيق، بالغرب الجزائري. التحق بالثورة المسلحة وهو في ريعان الشباب. حارب القوات الفرنسية بالشرق الجزائري. بعد الاستقلال، واصل جهاده بالجيش الوطني الشعبي حيث قاد العديد من الوحدات العسكرية وكون الآلاف، خاصة في الأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال وبالمدرسة الوطنية لتكوين ضباط الاحتياط بالبليدة. قبل أن يتقاعد دفع المقدم الشريف باثنين من أبنائه إلى صفوف الجيش الوطني الشعبي. سنوات بعد ذلك، عاد له الابن الأول محمولا في صندوق. أستشهد الابن وهو يؤدي واجبه لحماية الجزائر من الإرهاب. أشهر قليلة فيما بعد، يعود له الابن الثاني، الذي كان يحمل رتبة نقيب، في صندوق آخر. سقط الابن الثاني شهيدا في نقس المنطقة التي حارب فيها الأب جحافل الاستعمار الفرنسي. كاتب هذه الكلمات كلف، مع رفاق السلاح، باستقبال الجثمان الطاهر في مطار طافراوي بوهران ومرافقته إلى مثواه الأخير بمسقط رأسه، وبإلقاء كلمة تأبين. في مدينة سيق، استقبل الأب المجاهد جثمان الابن الشهيد، وكان صابرا، صامدا. رحب بمرافقي الجثمان في بيته المتواضع جدا؛ وسار وراء نعش ابنه مع الآلاف من أبناء مدينة سيق الذين جاؤوا لتوديع ابنهم الشهيد. المجاهد بقى شامخا رافعا رأسه معتزا بما قدم للجزائر. في كلمة التأبين جاءت هذه العبارة: ''جرت العادة أن يدفن الأبناء الآباء، ولكن ها هو الأب المجاهد يدفن ابنه الشهيد..."، عندها سقطت دمعات من عيني المجاهد علي الشريف، ولعلها المرة الأولى التي رأى فيها أبناء مدينة سيق بطلهم باكيا.
هاتان حالتان فقط من بين آلاف الحالات التي بلغ حد التضحية فيها أحيانا مستوى الأساطير. فكيف نضع مثل هؤلاء الذين أعطوا الجزائر دون أن يأخذوا منها شيئا في نفس مستوى الذين استفادوا ولعلهم لم يفيدوا؟
إن أمة يسمو فيها ''الزرناجي'' و''الغياط'' والطبال والمداح على الشهيد والمجاهد والأستاذ الجامعي والمفكر، هي أمة لا تسير إلى الأمام أبدا.
ذات مرة، قال لي مجاهد انه يتمنى أن يموت قبل أن يأتي يوما يحاسب فيه لأنه شارك في محاربة فرنسا خلال الثورة التحريرية، واني لأتساءل: هل نطلب من ربنا أن يعجل بأمرنا حتى لا يأتي يوما نحاسب فيه لأننا كنا من أفراد الجيش الوطني الشعبي، في مرحلة محاربة الإرهاب، ولم نفر ولم نستقيل؟
هذه الكلام ليس لمخمور خرج لتوه من ماخور شبع فيه رقصا على أنغام أغاني ''الراي''. إنها لشخص وضع على رأس أكبر جهاز إعلامي في البلد: التلفزيون.
هل يدرك السيد حمراوي حبيب شوقي، المدير العام للتلفزيون الجزائري، معنى كلامه هذا، الذي صرح به لجريدة الوطن ليوم 22 جانفي 2006 ؟
دون الدخول في نقاش حول أغنية ''الراي'' ودورها في المجتمع الجزائري وعن الجهات، في الداخل وفي الخارج، التي تعمل على نشرها.. لأن ذلك مستوى آخرا من النقاش لا أود أن أحشر نفسي فيه، أقول أن السيد حمراوي حبيب شوقي يرتكب خطأ فادحا في حق الشهداء والمخلصين من أبناء الجزائر عندما يعتبرهم مجرد (آخرين) كان لهم دور ما، إلى جانب ''الراي'' وبولمرقة، في بقاء الجزائر واقفة.
لا أدري إن كان السيد حبيب شوقي يتذكر صور مآسي تلك المرحلة. لقد فر من فر إلى الخارج، وتحصن من تحصن في إقامة الدولة بموريتي، وتحجب (بالمفهوم العامي) من المسئولين الكبار الذين لم يعودوا يتحركون سوى في وضح النهار وفي وسط حماية مدججة بالأسلحة، من تحجب. في هذه الظروف بالذات، والسيد حبيب شوقي يعلم ذلك جيدا، لم يعد هناك من يغني أو يكتب شعرا أو يقول كلمة حق أو حتى يجري. الجميع انسحب من الساحة. لم يبق صامدا سوى الذين لم يكن لهم وطن بديل من أفراد الجيش الوطني الشعبي وأسلاك الأمن وبعض الصحافيين والمجاهدين وأفراد الشعب البسيط.
غريب أمر السيد حبيب شوقي. لماذا يزج بنفسه في موضوع كهذا؟ هل يتصور بأنه من السهل اعتبار تضحيات الآلاف من الجزائريين من أجل محاربة الإرهاب والقضاء عليه مساوية لأغاني الراي؟
أعتقد أن مجرد الوفاء لرفاق الأمس، الشهداء، الذين يسميهم البعض ب "شهداء الواجب الوطني"، يقتضي منا مواجهة مثل هذا الكلام الغير مسئول لأنه لن يعمل سوى على طمس ذاكرة الشعب والحط من قيمة الأبطال الوطنيين الحقيقيين لصالح نماذج مخنثة، شاذة ثقافيا وسياسيا وفكريا واجتماعيا.
''الراي'' ( وبولمرقة التي أكن لها الكثير من الاحترام) وجدا تلفزيون حبيب شوقي ليتكلم عنهما ويجعل منهما بطلان أنقذا الجزائر، بينما أبطال الجزائر الحقيقيين الذين كانوا يواجهون الموت في كل لحظة، بل اللذين صارعوا الموت.. هؤلاء لا أحد تحدث أو يتحدث عنهم. لقد أستشهد الكثير منهم في صمت، وفقد البعض منهم أطرافه أو أجزاء من جسمه، وعاش آخرون، ولسنوات طويلة، في ظروف هي في غاية القسوة.. كل ذلك فقط من أجل أن تبقى الجزائر واقفة. هكذا هي الجزائر، مثل المرأة الجميلة والغنية، البعض يحترق بحبها ويدفع كل ما يملك من أجلها في صمت وبدون حساب؛ والبعض يخونها، وكأنها تتلذذ بالخيانة، فتفيض عليه وعلى ذريته من بعده بمالها وجمالها.
لقد كان لكاتب هذه الكلمات شرف المشاركة، أثناء مرحلة الإرهاب، في دفن العشرات من الشهداء، بالجهة الغربية للوطن، وكان من بينهم الكثير من أبناء الشهداء.
تحضرني هنا حالتان عايشتهما شخصيا، لا بد أن أشير لهما عل الذي يدعي بأن الجزائر بقت واقفة بفضل ''الراي'' يعود إليه وعيه ويسترجع رأيه.
الحالة الأولى هي حالة المقدم لدهم، رحمه الله، ابن الشهيد، الذي كان من خيرة أبناء الجزائر، ومن أكفأ إطارات الجيش الوطني الشعبي. المقدم لدهم كان مهندسا متخصصا في المتفجرات. خلال الزمن الصعب الذي مرت به الجزائر كان يجوب إقليم الناحية العسكرية الثانية باحثا عن الألغام التي كان يضعها زارعو الموت فيفكها ويبطل مفعولها. المقدم أدهم لم يتردد يوما في القيام بعمله رغم الأخطار المحدقة به، ورغم الجهد الكبير الذي كان يبذله لم يشكو يوما ولم يتخاذل أو يخاف .... المقدم أدهم اغتالته رصاصة غدر ذات يوم، وكاتب هذه الكلمات كان من بين زميلين آخرين كلفا بتبليغ النبأ السيئ لأم ذاك وحيدها ولزوجة هي مريضة. المرآتان كانتا تسكنان معا في سكن وظيفي تابع للجيش، هو كل ما كان يأوي المقدم لدهم ابن الشهيد. الشهيد حرر الأرض والابن استشهد دون أن يترك بيتا لأبنائه.
الحالة الثانية هي حالة مجاهد كبير ومعروف، انه المجاهد علي الشريف، رحمه الله. الشريف ابن مدينة سيق، بالغرب الجزائري. التحق بالثورة المسلحة وهو في ريعان الشباب. حارب القوات الفرنسية بالشرق الجزائري. بعد الاستقلال، واصل جهاده بالجيش الوطني الشعبي حيث قاد العديد من الوحدات العسكرية وكون الآلاف، خاصة في الأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال وبالمدرسة الوطنية لتكوين ضباط الاحتياط بالبليدة. قبل أن يتقاعد دفع المقدم الشريف باثنين من أبنائه إلى صفوف الجيش الوطني الشعبي. سنوات بعد ذلك، عاد له الابن الأول محمولا في صندوق. أستشهد الابن وهو يؤدي واجبه لحماية الجزائر من الإرهاب. أشهر قليلة فيما بعد، يعود له الابن الثاني، الذي كان يحمل رتبة نقيب، في صندوق آخر. سقط الابن الثاني شهيدا في نقس المنطقة التي حارب فيها الأب جحافل الاستعمار الفرنسي. كاتب هذه الكلمات كلف، مع رفاق السلاح، باستقبال الجثمان الطاهر في مطار طافراوي بوهران ومرافقته إلى مثواه الأخير بمسقط رأسه، وبإلقاء كلمة تأبين. في مدينة سيق، استقبل الأب المجاهد جثمان الابن الشهيد، وكان صابرا، صامدا. رحب بمرافقي الجثمان في بيته المتواضع جدا؛ وسار وراء نعش ابنه مع الآلاف من أبناء مدينة سيق الذين جاؤوا لتوديع ابنهم الشهيد. المجاهد بقى شامخا رافعا رأسه معتزا بما قدم للجزائر. في كلمة التأبين جاءت هذه العبارة: ''جرت العادة أن يدفن الأبناء الآباء، ولكن ها هو الأب المجاهد يدفن ابنه الشهيد..."، عندها سقطت دمعات من عيني المجاهد علي الشريف، ولعلها المرة الأولى التي رأى فيها أبناء مدينة سيق بطلهم باكيا.
هاتان حالتان فقط من بين آلاف الحالات التي بلغ حد التضحية فيها أحيانا مستوى الأساطير. فكيف نضع مثل هؤلاء الذين أعطوا الجزائر دون أن يأخذوا منها شيئا في نفس مستوى الذين استفادوا ولعلهم لم يفيدوا؟
إن أمة يسمو فيها ''الزرناجي'' و''الغياط'' والطبال والمداح على الشهيد والمجاهد والأستاذ الجامعي والمفكر، هي أمة لا تسير إلى الأمام أبدا.
ذات مرة، قال لي مجاهد انه يتمنى أن يموت قبل أن يأتي يوما يحاسب فيه لأنه شارك في محاربة فرنسا خلال الثورة التحريرية، واني لأتساءل: هل نطلب من ربنا أن يعجل بأمرنا حتى لا يأتي يوما نحاسب فيه لأننا كنا من أفراد الجيش الوطني الشعبي، في مرحلة محاربة الإرهاب، ولم نفر ولم نستقيل؟
publié par adimi dans: adimiahmed
الإرهاب والمداحات
نشر بالخبر يوم 16 أكتوبر 2007
في مرحلة السبعينيات من القرن الماضي كان الجزائري يتعجب من وضع الشعب التونسي الشقيق الذي يمارس عبادة الشخصية بكل خضوع وإذعان. وقتها كان الحبيب بورقيبة هو الذي يحكم تونس وكان يحلو له التلذذ بسماع الشعراء والمنشدين وهم يرتلون أشعارا ومدائح تتغنى بخصائله وعظمته. ولما أبعد المجاهد الأكبر من الحكم لم نعد نسمع أن شاعرا واحدا أو مغنيا واحدا قال كلمة طيبة في الرئيس السابق. في تلك المرحلة لم يكن يوجد في الجزائر لا مجاهد أكبر ولا مجاهد أصغر ف "الشعب هو المجاهد الأكبر".
ومات بومدين، رحمه الله، وخلفه الشاذلي بن جديد، أطال الله في عمره، وبدأ القوم عندنا يمارسون "طقوس" عبادة الشخصية، حتى أن شاعرا وضع الشاذلي بن جديد في مستوى ثورة نوفمبر العظيمة عندما ألقى أمامه قصيدة جاءت فيها عبارة "الشاذلي أو نوفمبر" بمعنى أن الأول يساوي الثاني. في هذه الفترة ظهر الكثير من "المداحين" الذين كانوا يستغلون كل فرصة وكل المجالات للتقرب من الجالس على كرسي الحكم إلى حد أن أحد رجال الدين شبه، في حديث ديني متلفز، كلام الشاذلي بن جديد ب "الكلام النفيس".
لكن بمجرد أن غادر الشاذلي الحكم لم يعد أحد من الذين كانوا يقدسونه يتذكره أو يقول فيه كلمة خير.
ولما دخلت الجزائر مرحلة العنف، فرغت الساحة من كل المداحين والمزايدين في الوطنية والمتحمسين للسلطة وعجز المسئولون، مرات عديدة، عن تنظيم أي لقاء أو حفلة أو ندوة فكرية يحضرها أربعة أو خمسة أنفار.
مع بداية الألفية الثالثة، بدأ الأمن يستتب فراحت الألسن تتمدد والأقلام يسيل حبرها لكن ليس لشحذ الهمم ودفعها لإعادة بناء ما خربه الإرهاب ومحاربة الفساد بل لمدح الحاكم الجديد.
في سطيف، وفي حفل نقله التلفزيون على المباشر، وقف "إطار سام" متقاعد وسط الدرابكية والزرانجية وراح يمدح الرئيس، الذي حضر الحفل، بقصيدة مطلعها: "الأمم برجالها والجزائر بعزيزها" مشيرا الى السيد عبد العزيز بوتفليقة.
بعد الشاعر الذي وضع الرئيس السابق الشاذلي بن جديد في مستوى ثورة نوفمبر العظيمة، يضع هذا الإطار المتقاعد الرئيس الحالي في مستوى الجزائر كلها. إنه يختزل كل رجال البلد في شخص الرئيس.
وفتح باب المديح أمام مرتزقة الكلمة لينظموا أشعارا ويلحنون أغان يحاولون التقرب من خلالها إلى رئيس الجمهورية لعله يعطف عليهم بمنصب أو بتكريم.
خلال السنوات الأخيرة أحتل هذا النوع من البشر الساحة وانتشر في كل مجالات الحياة:السياسية، الثقافية، الإعلامية، الجمعوية، الحزبية...
يحدث هذا مع بداية الألفية الثالثة، مع أن التجارب أثبتت أن الحضارات والدول لا يبنيها كل قواد "شيات" بل العظماء من الرجال الذين لا تنحني رؤوسهم..
وجود هذا النوع من البشر وانفراده بالظهور في أهم وسائل إتصال الدولة يفقد الثقة في السلطة، ويجعل البلاد، لا تستفيد من الكفاءات الحقيقية التي لا تعرف ممارسة فنون التزلف والتقرب. الإطارات الوطنية المتخلقة والمتأصلة لا تستطيع منافسة ولا التعايش مع هذه الفئات التي لا أخلاق ولا رجولة ولا ذمة لها.
الذين لا يتركون أية فرصة الا ويستغلونها لإعلان حبهم وتعلقهم بشخص رئيس الجمهورية هم مطالبون –إن كانوا صادقين- بالعمل أكثر من غيرهم لتثبيت دعائم المصالحة الوطنية واستباب الأمن ومحاربة الفساد المالي. الجزائر اليوم ليست في حاجة للكلام والبلاغة والخطب والأشعار الرديئة بقدر حاجتها لأناس يضحون فعلا من أجلها دون أن يغرفوا من المال العام.
الولاة الذين "يعبئون" آلاف المواطنين، أو "يستلفونهم" من ولايات أخرى، لتنظيم استقبالات شعبية حاشدة يكون أفضل للسلطة وللبلد لو أنهم وجهوا طاقاتهم للتقرب من الفلاحين وحل مشاكلهم حتى لا تستورد الجزائر البطاطا المخصصة للخنازير من كندا.
رؤساء بعض الجمعيات الذين يطلون علينا من التلفزيون كل مساء تقريبا ليعلنوا "تجندهم التام" لتطبيق برنامج رئيس الجمهورية يكون أفضل لهم وللسلطة وللبلد لو أنهم تجندوا، مثلما قال الصحافي الجزائري الكبير سعد بوعقبة، للعمل على إقناع الإرهابيين الذين يفجرون المواطنين ورجال الأمن ومنشآت الدولة بالرجوع إلى جادة الطريق. لنتصور كم تستفيد الجزائر لو تقوم كل جمعية بإقناع إرهابي واحد بالعدول عن الإجرام.
المتملقون الذين يجيدون صناعة الكلام يكون أفضل لهم وللسلطة وللبلد لو يستغلون مواهبهم الكلامية في إقناع الشباب للابتعاد عن المخدرات التي تشكل خطرا لا تقل آثاره عن آثار الإرهاب.
لو يقوم كل هؤلاء القوم بادوارهم على هذا الشكل –ودون أن يستفيدوا من المال العام- فأنهم يبرهنون بالفعل عن تعلقهم بالسيد رئيس الجمهورية وببرنامجه وبالجزائر.
ahmedadimi@yahoo.fr
ومات بومدين، رحمه الله، وخلفه الشاذلي بن جديد، أطال الله في عمره، وبدأ القوم عندنا يمارسون "طقوس" عبادة الشخصية، حتى أن شاعرا وضع الشاذلي بن جديد في مستوى ثورة نوفمبر العظيمة عندما ألقى أمامه قصيدة جاءت فيها عبارة "الشاذلي أو نوفمبر" بمعنى أن الأول يساوي الثاني. في هذه الفترة ظهر الكثير من "المداحين" الذين كانوا يستغلون كل فرصة وكل المجالات للتقرب من الجالس على كرسي الحكم إلى حد أن أحد رجال الدين شبه، في حديث ديني متلفز، كلام الشاذلي بن جديد ب "الكلام النفيس".
لكن بمجرد أن غادر الشاذلي الحكم لم يعد أحد من الذين كانوا يقدسونه يتذكره أو يقول فيه كلمة خير.
ولما دخلت الجزائر مرحلة العنف، فرغت الساحة من كل المداحين والمزايدين في الوطنية والمتحمسين للسلطة وعجز المسئولون، مرات عديدة، عن تنظيم أي لقاء أو حفلة أو ندوة فكرية يحضرها أربعة أو خمسة أنفار.
مع بداية الألفية الثالثة، بدأ الأمن يستتب فراحت الألسن تتمدد والأقلام يسيل حبرها لكن ليس لشحذ الهمم ودفعها لإعادة بناء ما خربه الإرهاب ومحاربة الفساد بل لمدح الحاكم الجديد.
في سطيف، وفي حفل نقله التلفزيون على المباشر، وقف "إطار سام" متقاعد وسط الدرابكية والزرانجية وراح يمدح الرئيس، الذي حضر الحفل، بقصيدة مطلعها: "الأمم برجالها والجزائر بعزيزها" مشيرا الى السيد عبد العزيز بوتفليقة.
بعد الشاعر الذي وضع الرئيس السابق الشاذلي بن جديد في مستوى ثورة نوفمبر العظيمة، يضع هذا الإطار المتقاعد الرئيس الحالي في مستوى الجزائر كلها. إنه يختزل كل رجال البلد في شخص الرئيس.
وفتح باب المديح أمام مرتزقة الكلمة لينظموا أشعارا ويلحنون أغان يحاولون التقرب من خلالها إلى رئيس الجمهورية لعله يعطف عليهم بمنصب أو بتكريم.
خلال السنوات الأخيرة أحتل هذا النوع من البشر الساحة وانتشر في كل مجالات الحياة:السياسية، الثقافية، الإعلامية، الجمعوية، الحزبية...
يحدث هذا مع بداية الألفية الثالثة، مع أن التجارب أثبتت أن الحضارات والدول لا يبنيها كل قواد "شيات" بل العظماء من الرجال الذين لا تنحني رؤوسهم..
وجود هذا النوع من البشر وانفراده بالظهور في أهم وسائل إتصال الدولة يفقد الثقة في السلطة، ويجعل البلاد، لا تستفيد من الكفاءات الحقيقية التي لا تعرف ممارسة فنون التزلف والتقرب. الإطارات الوطنية المتخلقة والمتأصلة لا تستطيع منافسة ولا التعايش مع هذه الفئات التي لا أخلاق ولا رجولة ولا ذمة لها.
الذين لا يتركون أية فرصة الا ويستغلونها لإعلان حبهم وتعلقهم بشخص رئيس الجمهورية هم مطالبون –إن كانوا صادقين- بالعمل أكثر من غيرهم لتثبيت دعائم المصالحة الوطنية واستباب الأمن ومحاربة الفساد المالي. الجزائر اليوم ليست في حاجة للكلام والبلاغة والخطب والأشعار الرديئة بقدر حاجتها لأناس يضحون فعلا من أجلها دون أن يغرفوا من المال العام.
الولاة الذين "يعبئون" آلاف المواطنين، أو "يستلفونهم" من ولايات أخرى، لتنظيم استقبالات شعبية حاشدة يكون أفضل للسلطة وللبلد لو أنهم وجهوا طاقاتهم للتقرب من الفلاحين وحل مشاكلهم حتى لا تستورد الجزائر البطاطا المخصصة للخنازير من كندا.
رؤساء بعض الجمعيات الذين يطلون علينا من التلفزيون كل مساء تقريبا ليعلنوا "تجندهم التام" لتطبيق برنامج رئيس الجمهورية يكون أفضل لهم وللسلطة وللبلد لو أنهم تجندوا، مثلما قال الصحافي الجزائري الكبير سعد بوعقبة، للعمل على إقناع الإرهابيين الذين يفجرون المواطنين ورجال الأمن ومنشآت الدولة بالرجوع إلى جادة الطريق. لنتصور كم تستفيد الجزائر لو تقوم كل جمعية بإقناع إرهابي واحد بالعدول عن الإجرام.
المتملقون الذين يجيدون صناعة الكلام يكون أفضل لهم وللسلطة وللبلد لو يستغلون مواهبهم الكلامية في إقناع الشباب للابتعاد عن المخدرات التي تشكل خطرا لا تقل آثاره عن آثار الإرهاب.
لو يقوم كل هؤلاء القوم بادوارهم على هذا الشكل –ودون أن يستفيدوا من المال العام- فأنهم يبرهنون بالفعل عن تعلقهم بالسيد رئيس الجمهورية وببرنامجه وبالجزائر.
ahmedadimi@yahoo.fr
publié par adimi dans: adimiahmed
اتصال الثورة المسلحة
بين حرب الأمواج و قوة الرموز
بين حرب الأمواج و قوة الرموز
بقلم: د. أحمد عظيمي
أستاذ بكلية العلوم السياسية والإعلام
تؤكد الوثائق والأحداث بأن الاتصال كان من الاهتمامات الأساسية لقيادة الثورة المسلحة، ويمكن اعتبار ولادة جبهة التحرير الوطني كأول عمل اتصالي للثورة؛ ففي الاتصال، كما في السياسة، كل الأمور محسوبة ولا يترك أي شيء للحظ. اختيار الكلمات والتسميات والرموز الخ.. هي دائما نتاج نقاش وحوار كبيرين، لأن هذه الكلمات، والتسميات، والرموز، لها معانيها المميزة، وهي تعكس، أو يجب أن تعكس، فكر وإيديولوجية المجموعة أو المؤسسة.
كلمة "جبهة"، في حد ذاتها، جاءت حاملة لكثير من الدلالات، فهي تعني أشياء كثيرة في نفس الوقت:
1-تجمع الوطنيين ضد العدو المشترك.
2-التفتح على الذين يحملون أفكارا مختلفة.
3-المواجهة مع العدو.
بعد اختيارهم للتسمية "جبهة التحرير الوطني" بدأ زعماء الثورة يخوضون معاركهم الأولى على جبهتين: جبهة الاتصال وجبهة الأعمال العسكرية.
وقد يتساءل الكثير منا اليوم: كيف استطاعت مجموعة من الشباب، محدودة في العدد والإمكانيات، أن تنشر فكرة الثورة في أوساط الجماهير؟ وكيف تحولت العمليات العسكرية المحدودة - حسب البيانات الفرنسية - إلى ثورة عارمة وشاملة. ثورة بلـغ صـداها كـل أنحـاء الأرض، إلـى حـد أن الكثـير مـن المفكرين و الأحرار في العالم كانوا يعتزون بالانتماء والدفاع عن الثورة الجزائرية ؟
أسئلة كثيرة تطرح و الجواب عنها ليس سهلا وذلك لأسباب كثيرة أهمها: قلة المصادر وأتساع الموضوع.
المعروف في علوم الاتصال أنه لا يوجد اتصال من أجل الاتصال La communication pour la communication ، فهدف كل عملية اتصال هو الإقناع أو التأثير Communiquer c’est influencer وبالتالي فالسؤال الذي يطرح هنا هو: إعلام الثورة كان يهدف إلي إقناع من؟ أو التأثير في من؟
وضعية الجزائر في سنة 1954كانت تفرض على القائمين على مجال الاتصال التوجه إلى أربع جهات رئيسية هي:
أولا، الشعب الجزائري بكل فئاته، والذي بدونه لا يمكن أن تكون الثورة أو تنتصر، والملاحظ أن قيادة الثورة لم تكن بحاجة إلى القيام بعمل كبير لإقناع الشعب الجزائري بفكرة الثورة لأنه كان جاهزا لها وكان ينتظرها. وخير كلمة قيلت في هذا المجال هي تلك التي قالها الشهيد العربي بن مهيدي: "القوا بالثورة في الشارع فأن الشعب يتبناها."
لكن رغم جاهزية الشعب إلا أن طبيعة العمل الثوري الذي يتصف بالكثير من السرية جعل قادة الثورة ورجالها الأوائل يولون عناية خاصة لعملية الاتصال بالمواطنين لتجنيدهم وتعبئتهم .
ثانيا، الشعب الفرنسي لتبليغه بأهداف الثورة، وإفهامه بخطورة الوضعية في الجزائر، وأن الذي يقع فيها منذ أول نوفمبر 1954 ليس تمردا أو إرهابا، كما كانت تصفه وسائل الإعلام الفرنسية، بل ثورة شعب يريد استعادة حريته وكرامته.
ثالثا، الرأي العام العربي والإفريقي لأن الثورة كانت في حاجة إلى عمق إستراتيجي وإلى دعم سياسي، ولم يكن من الممكن حيازتهما إلا في الإطار الجيو سياسي للجزائر.
رابعا، الرأي العام العالمي، وهنا نسجل بأن العالم لم يكن يسمع بالجزائر إلا في الإطار الفرنسي، أي أنها جزء من التراب الفرنسي، فقد عملت الدعاية الفرنسية،خلال مدة الاحتلال، على إقناع الرأي العام العالمي بأن الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا، وأن فرنسا، كما قال وزير داخليتها فرانسوا ميتران في ذلك الوقت، هي من دانكرك إلى تمنراست. إذن كان على إعلام الثورة المسلحة أ ن يكسر هذه الأسطورة، وأن يعمل على إبراز الوجه الآخر لفرنسا، والذي يتنافى تماما ومبادئ الحرية والمساواة والإخاء التي جاءت بها الثورة الفرنسية .
لتحقيق هذه الأهداف مارست الثورة كل أنواع الاتصال: المكتوب، الشخصي أو المباشر، المسموع، المصور، وأخيرا الاتصال عن طريق الرموز.
أ- الاتصال المكتوب :وهو يحتوي على المناشير و الرسائل والصحف وبرقيات وكالة الأنباء الجزائرية.
1-المناشير:LES TRACTS . المنشور هو وسيلة إعلام الفقراء والحركات الثورية خاصة في بداياتها. وهو يوفر السرية والاقتصاد. للمنشور شروط منها أن يكون قصيرا، محررا بلغة بسيطة’ويتحدث في الصميم.
المنشور(1) هو أول وسيلة استعملتها اللجنة الثورية للوحدة والعمل لإطلاع الرأي العام الوطني والدولي عن ميلاد جبهة التحرير الوطني. هذا المنشور هو الذي أصبح يعرف فيما بعد ببيان أول نوفمبر(2).
من مميزات هذا المنشور، أي بيان أول نوفمبر، هي أنه كتب بلغة بسيطة لكنها راقية جدا؛ إنه ما يسمى في الأدب بالسهل الممتنع، كما أننا نجد في هذا المنشور تسلسلا رائعا وبناءا محكما في الأفكار الواردة فيه.
عندما نعود إلى هذه الوثيقة الآن، و نحاول أن نحللها حسب المقاييس الاتصالية، فإننا نلاحظ بأنها تجيب عن كل التساؤلات التي يطرحها القارئ.
إذا كان الحديث عن الاتصال هو التمكن من الإجابة عن الأسئلة الشهيرة التي وضعها {لاسوال} والتي هي: من، يقول ماذا، لمن، كيف، وبأي أثر ؟ qui , dit quoi ; à qui ; comment . pour quel effet ? فإننا عندما نطبق هذا النموذج الاتصالي على بيان أول نوفمبر، نلاحظ بأن محررية لم يهملوا أية واحدة من هذه الأسئلة .
من؟: هو المرسل الذي يبعث الرسالة، إنهم، يقول البيان: "مجموعة من الشباب المسؤولين المناضلين الواعين التي جمعت حولها أغلب العناصر التي لا تزال سليمة ومصممة".
يقول ماذا؟: محتوى الاتصال أو برنامج المرسل : "نوضح لكم مشروعنا والهدف من عملنا، ومقومات وجهة نظرنا الأساسية، التي تهدف إلى الاستقلال الوطني .."
لمن؟: الملتقي الذي توجه إلية الرسالة. هذا المستقبل نجده مبينا في أعلى البيان:
"... أيها الشعب الجزائري، أيها المناضلون من أجل القضية الوطنية أنتم الذين ستصدرون حكمكم بشأننا...".
كيف؟: شكل وسيلة الاتصال، وقد جاءت هنا في صورة بيان علق على الجدران، وقرئ في الإذاعة المصرية ووضع تحت الأبواب.
لأي هدف؟: أي الغايات المعلنة و الخفية للعملية الاتصالية: ".. لكي نبين بوضوح هدفنا فإننا نسطر فيما يلي الخطوط العريضة لبرنامجنا.."
بأي أثر؟: هو ما يحدث بعد نشر الرسالة، هل هناك استجابة أم لا ؟
إننا نعلم بأن رد فعل المتلقي لبيان أول نوفمبر كان مزدوجا، ففي الوقت الذي تلقاه الشعب الجزائري بالإيجاب، كان رد فعل الاستعمار الفرنسي الاستخفاف وعدم أخذ الأمور بجدية، فقد تجاهل المسؤولون الفرنسيون ما جاء في البيان واكتفت تصريحاتهم بالإشارة إلى ما سمي بأحداث الشغب.
بيان أول نوفمبر كان إذا أول منشور سياسي للثورة، وقد واصلت جبهة التحرير الوطني استعمال هذه الوسيلة الإعلامية طوال السبع سنوات والنصف، لتعميم القرارات الصادرة عنها على الجماهير. وكان المنشور يوزع، بواسطة المناضلين، في جميع أنحاء الجزائر، وبلغت دقة التنظيم حد توزيع بعض المناشير في وقت واحد، وأحيانا في ساعة واحدة عبر مختلف مدن وقرى الجزائر.
استعمال المنشور كأسلوب للتأثير السياسي والمعنوي حقق إذن نتائج جد إيجابية، نسجل منها:
الاستجابة الشعبية الواسعة لنداءات وتوجيهات الثورة.
فرار الكثير من جنود اللفيف الأجنبي والتحاقهم بصفوف الثوار الذين كانوا يساعدونهم على العودة إلى بلدانهم.
اقتناع الكثير من الفرنسيين بعدالة القضية التي تناضل من أجلها جبهة التحرير الوطني.
2-الرسائل: استعملت الثورة الرسالة كوسيلة اتصال حيث كانت توجه رسائل شخصية إلى الفئات التالية: الشخصيات الفكرية والسياسية المعروفة على المستوى الدولي، المتعاونون مع العدو، جنود وضباط الجيش الفرنسي، المعمرون.
رسائل الثورة نوعان: تنويرية توضح فيها أسباب الثورة وأهدافها، وتحذيرية توجه إلى المتعاملين مع العدو تبين لهم فيها مخاطر تصرفاتهم ونتائجها الوخيمة .
نمودج من الرسائل التنويرية و هي موجهة إلى العاملين في الجيش الفرنسي : (( يا جنود فرنسا،
إنكم بعملكم في الجندية الفرنسية تخدمون مصالح المستعمرين و تتعذبون في سبيل سعادة وهناء أمثال RENE MEYERجلاد الأمة الجزائرية، وإذا متم فأنكم تموتون في سبيل شرذمة مستغلة لشعب بأكمله، أي أنكم تموتون فداء للاستعمار، إننا لسنا من قطاع الطرق، نحن جنود جيش التحرير الوطني نعمل في سبيل مبادئ العدالة الإنسانية، ولقد خدعوكم في شأننا، ففكروا في الأمر، إن إعانة المستعمرين الذين لفظتهم الإنسانية تعتبر جريمة لا تغتفر ضد شعب يدافع عن حقه. إن انتصارنا محقق، ولتسقط العنصرية .))
إذا تفحصنا محتوى هذه الرسالة فأننا نلاحظ ما يلي :
- فهم نفسية الأفراد الموجهة إليهم الرسالة بالتحدث إلى الأوروبيين عن مبادئ العدالة الإنسانية
- التخويف: "إن متم..."
- اتهامهم بالعنصرية: وهو اتهام خطير بالنسبة للأوروبيين عامة وللفرنسيين خاصة الذين بنوا دولتهم الحديثة على المبادئ الثلاثة للثورة الفرنسية .
3-الجرائد: هي الوسيلة الإعلامية الأعمق تأثيرا لأنها تخاطب العقل، لكنها في نفس الوقت تتطلب توفر عنصر القدرة على القراءة، ونحن نعلم أنه في سنة 1954 كانت نسبة الأمية في الجزائر تفوق ال 90بالمائة ، لكن، ورغم ذلك استعملت الثورة الجريدة لتوصيل صوتها خاصة للرأي العام الدولي. واستعمال الثورة لهذه الوسيلة كان عن قناعة بأن الجريدة المكتوبة تسائل الفكر، فهي تتوجه لجمهور مثقف، عادة، ويوجد من بين هذا الجمهور، صحفيون، سياسيون، مناضلو حقوق الإنسان، طلبة.. باختصار كل موجهي الرأي، الذين يتحولون، مع الوقت وباقتناعهم بعدالة القضية إلى موصلين وناشرين لأفكار و مبادئ الثورة .
من بين الجرائد التي صدرت عن الثورة نذكر:
- المقاومة الجزائرية، التي ظهرت منها ثلاث طبعات هي: طبعة باريس (نهاية 1955) وطبعة المغرب (1956) وطبعة تونس (منتصف1956). الطبعات الثلاث كانت تسرب إلى الجزائر بطريقة سرية، ولم يكن يوجد تنسيقا بينها.
- المجاهد، وهي أهم جرائد الثورة وأكثرها شهرة(3). صدرت في جوان 1956 بالقصبة، كانت تسحب بالرونيو، دمر مقرها خلال معركة الجزائر ولم يصدر العدد السابع،وفي جويلية 1957 نقلت إلى تيطوان بالمغرب. وفي أكتوبر 1957 نقلت إلى تونس و أصبحت الناطق الوحيد باسم جبهة التحرير الوطني. أشرف عليها عبان رمضان ثم أحمد بومنجل، وعند تأسيس الحكومة المؤقتة في سنة 1958 أصبحت تتبع لوزارة الأخبار، وكانت توزع في كل عواصم العالم باللغتين العربية والفرنسية وترسل بالبريد إلى الشخصيات والهيئات الدولية . قامت بدور كبير في التعريف بالقضية الجزائرية وفي فضح أساليب الإبادة الاستعمارية بالجزائر.
المجاهد كانت موجهة بالأساس إلى الخارج، وهو ما يتضح من خلال محتواها الذي شكل مادة خام لكثير من الدارسين بالجزائر وبالخارج، نذكر منها على الخصوص الدراسة القيمة التي قامت بها الفرنسية مونيك قادون (4) بعنوان -Islam et nationalisme en Algerie d’aprés El Moudjahid 1956-1962.{الإسلام والوطنية من خلال المجاهد 1956-1962.}
تقول صاحبة هذه الدراسة أن المجاهد جريدة حزبية ذات سحب ضعيف، عملت جاهدة للوقوف ضد وسائل إعلام القوة الاستعمارية. كانت معركة غير متساوية ... وهي أي المجاهد، كانت تتوجه، خاصة إلى الحكومات والرأي العام الدولي، لجعلهم شاهدين ولمساءلتهم . كذلك كتبت تقول السيدة مونيك قادون.
من المهام التي قامت بها المجاهد هي أنها سهلت لوكالات الأنباء الأجنبية المرور مباشرة إلى إعلام واتصال ج.ت.و كما ساهمت ،بنشاط، من خلال الاستطلاعات والتحقيقات التي كانت تنشرها حول الحياة في الجبال، وعن جرائم الفرنسيين في الجزائر، في تكوين رأي عام دولي لصالح القضية الجزائرية.
إلى جانب جريدتي ( المقاومة الجزائرية ) و( الجاهد) ظهرت جرائد أخرى نذكر منها:
العامل الجزائري.
الشباب الجزائري.
جرائد الولايات، حيث كان لكل ولاية جريدة خاصة بها.
4- برقيات وكالة الأنباء الجزائرية :
في سنة 1961 أنشأت قيادة الثورة وكالة للأنباء وكان مقرها في تونس. هذه الوكالة كان الهدف من إنشائها هو جعلها الوسيلة الحاملة لصوت الجزائر للخارج وخاصة نحو وسائل الإعلام العالمية .
أسندت لوكالة الأنباء الجزائرية المهام التالية :
الإشراف على كل ما يتعلق بالثورة الجزائرية من أنباء و تعاليق ومراجعتها بدقة.
إعداد نشرة إخبارية يومية باللغتين العربية والفرنسية توزع على مكاتب وكالات الأنباء الأجنبية.
تبادل الخدمات الإعلامية مع الوكالات العالمية.
الاتصال الشخصي أو المباشر : هو النوع الأكثر أنشارا والأسرع تأثيرا. وقد ساعد على تسهيل مهمة الثورة فقدان العدو لكل مصداقية.
المصداقية لها أهمية خاصة في مجال الاتصال الشخصي، فيما بعد لما تحدث ديغول عن إجراءات لصالح الجزائريين "مشروع قسنطينة، سلم الشجعان ..." لم يصدقه أحد لأنه كان يتكلم باسم نظام فقد كل مصداقية في الجزائر، بينما نجح الاتصال الشخصي الممارس من طرف الثورة. أن هذه الأخيرة كانت تحتار أحسن وأكفأ وأقدر أفرادها للقيام بالاتصال بالمواطنين.
أخلاق وتصرفات وانضباط أفراد جيش التحرير الوطني كانت تسهل الاتصال المباشر وتجعل المواطنين يقبلون على الاستماع إلى المتحدثين و الناقلين لأخبار الثورة وتوجيهاتها، وكان يقوم بهذه المهمة المرشدون السياسيون الذين أصبحوا يعرفون فيما بعد بالمحافظين السياسيين(5).
ج- الاتصال المسموع أي عن طريق الإذاعة : كانت الإذاعة هي أهم وسيلة إعلامية خلال فترة الثورة المسلحة؛ التلفزيون لم يكن منتشرا بكثرة، وهو دخل الجزائر سنة 1956؛ ونظرا لأهمية الإذاعة في تجنيد الجماهير الجزائرية وتبليغها صوت وأخبار الثورة. قيادة الثورة استعملت الإذاعات التالية :
- إذاعة القاهرة: كانت تقدم من خلالها، بدءا من سنة 1955 برنامجا يوميا بالعربية هــو (صوت جبهة التح
كلمة "جبهة"، في حد ذاتها، جاءت حاملة لكثير من الدلالات، فهي تعني أشياء كثيرة في نفس الوقت:
1-تجمع الوطنيين ضد العدو المشترك.
2-التفتح على الذين يحملون أفكارا مختلفة.
3-المواجهة مع العدو.
بعد اختيارهم للتسمية "جبهة التحرير الوطني" بدأ زعماء الثورة يخوضون معاركهم الأولى على جبهتين: جبهة الاتصال وجبهة الأعمال العسكرية.
وقد يتساءل الكثير منا اليوم: كيف استطاعت مجموعة من الشباب، محدودة في العدد والإمكانيات، أن تنشر فكرة الثورة في أوساط الجماهير؟ وكيف تحولت العمليات العسكرية المحدودة - حسب البيانات الفرنسية - إلى ثورة عارمة وشاملة. ثورة بلـغ صـداها كـل أنحـاء الأرض، إلـى حـد أن الكثـير مـن المفكرين و الأحرار في العالم كانوا يعتزون بالانتماء والدفاع عن الثورة الجزائرية ؟
أسئلة كثيرة تطرح و الجواب عنها ليس سهلا وذلك لأسباب كثيرة أهمها: قلة المصادر وأتساع الموضوع.
المعروف في علوم الاتصال أنه لا يوجد اتصال من أجل الاتصال La communication pour la communication ، فهدف كل عملية اتصال هو الإقناع أو التأثير Communiquer c’est influencer وبالتالي فالسؤال الذي يطرح هنا هو: إعلام الثورة كان يهدف إلي إقناع من؟ أو التأثير في من؟
وضعية الجزائر في سنة 1954كانت تفرض على القائمين على مجال الاتصال التوجه إلى أربع جهات رئيسية هي:
أولا، الشعب الجزائري بكل فئاته، والذي بدونه لا يمكن أن تكون الثورة أو تنتصر، والملاحظ أن قيادة الثورة لم تكن بحاجة إلى القيام بعمل كبير لإقناع الشعب الجزائري بفكرة الثورة لأنه كان جاهزا لها وكان ينتظرها. وخير كلمة قيلت في هذا المجال هي تلك التي قالها الشهيد العربي بن مهيدي: "القوا بالثورة في الشارع فأن الشعب يتبناها."
لكن رغم جاهزية الشعب إلا أن طبيعة العمل الثوري الذي يتصف بالكثير من السرية جعل قادة الثورة ورجالها الأوائل يولون عناية خاصة لعملية الاتصال بالمواطنين لتجنيدهم وتعبئتهم .
ثانيا، الشعب الفرنسي لتبليغه بأهداف الثورة، وإفهامه بخطورة الوضعية في الجزائر، وأن الذي يقع فيها منذ أول نوفمبر 1954 ليس تمردا أو إرهابا، كما كانت تصفه وسائل الإعلام الفرنسية، بل ثورة شعب يريد استعادة حريته وكرامته.
ثالثا، الرأي العام العربي والإفريقي لأن الثورة كانت في حاجة إلى عمق إستراتيجي وإلى دعم سياسي، ولم يكن من الممكن حيازتهما إلا في الإطار الجيو سياسي للجزائر.
رابعا، الرأي العام العالمي، وهنا نسجل بأن العالم لم يكن يسمع بالجزائر إلا في الإطار الفرنسي، أي أنها جزء من التراب الفرنسي، فقد عملت الدعاية الفرنسية،خلال مدة الاحتلال، على إقناع الرأي العام العالمي بأن الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا، وأن فرنسا، كما قال وزير داخليتها فرانسوا ميتران في ذلك الوقت، هي من دانكرك إلى تمنراست. إذن كان على إعلام الثورة المسلحة أ ن يكسر هذه الأسطورة، وأن يعمل على إبراز الوجه الآخر لفرنسا، والذي يتنافى تماما ومبادئ الحرية والمساواة والإخاء التي جاءت بها الثورة الفرنسية .
لتحقيق هذه الأهداف مارست الثورة كل أنواع الاتصال: المكتوب، الشخصي أو المباشر، المسموع، المصور، وأخيرا الاتصال عن طريق الرموز.
أ- الاتصال المكتوب :وهو يحتوي على المناشير و الرسائل والصحف وبرقيات وكالة الأنباء الجزائرية.
1-المناشير:LES TRACTS . المنشور هو وسيلة إعلام الفقراء والحركات الثورية خاصة في بداياتها. وهو يوفر السرية والاقتصاد. للمنشور شروط منها أن يكون قصيرا، محررا بلغة بسيطة’ويتحدث في الصميم.
المنشور(1) هو أول وسيلة استعملتها اللجنة الثورية للوحدة والعمل لإطلاع الرأي العام الوطني والدولي عن ميلاد جبهة التحرير الوطني. هذا المنشور هو الذي أصبح يعرف فيما بعد ببيان أول نوفمبر(2).
من مميزات هذا المنشور، أي بيان أول نوفمبر، هي أنه كتب بلغة بسيطة لكنها راقية جدا؛ إنه ما يسمى في الأدب بالسهل الممتنع، كما أننا نجد في هذا المنشور تسلسلا رائعا وبناءا محكما في الأفكار الواردة فيه.
عندما نعود إلى هذه الوثيقة الآن، و نحاول أن نحللها حسب المقاييس الاتصالية، فإننا نلاحظ بأنها تجيب عن كل التساؤلات التي يطرحها القارئ.
إذا كان الحديث عن الاتصال هو التمكن من الإجابة عن الأسئلة الشهيرة التي وضعها {لاسوال} والتي هي: من، يقول ماذا، لمن، كيف، وبأي أثر ؟ qui , dit quoi ; à qui ; comment . pour quel effet ? فإننا عندما نطبق هذا النموذج الاتصالي على بيان أول نوفمبر، نلاحظ بأن محررية لم يهملوا أية واحدة من هذه الأسئلة .
من؟: هو المرسل الذي يبعث الرسالة، إنهم، يقول البيان: "مجموعة من الشباب المسؤولين المناضلين الواعين التي جمعت حولها أغلب العناصر التي لا تزال سليمة ومصممة".
يقول ماذا؟: محتوى الاتصال أو برنامج المرسل : "نوضح لكم مشروعنا والهدف من عملنا، ومقومات وجهة نظرنا الأساسية، التي تهدف إلى الاستقلال الوطني .."
لمن؟: الملتقي الذي توجه إلية الرسالة. هذا المستقبل نجده مبينا في أعلى البيان:
"... أيها الشعب الجزائري، أيها المناضلون من أجل القضية الوطنية أنتم الذين ستصدرون حكمكم بشأننا...".
كيف؟: شكل وسيلة الاتصال، وقد جاءت هنا في صورة بيان علق على الجدران، وقرئ في الإذاعة المصرية ووضع تحت الأبواب.
لأي هدف؟: أي الغايات المعلنة و الخفية للعملية الاتصالية: ".. لكي نبين بوضوح هدفنا فإننا نسطر فيما يلي الخطوط العريضة لبرنامجنا.."
بأي أثر؟: هو ما يحدث بعد نشر الرسالة، هل هناك استجابة أم لا ؟
إننا نعلم بأن رد فعل المتلقي لبيان أول نوفمبر كان مزدوجا، ففي الوقت الذي تلقاه الشعب الجزائري بالإيجاب، كان رد فعل الاستعمار الفرنسي الاستخفاف وعدم أخذ الأمور بجدية، فقد تجاهل المسؤولون الفرنسيون ما جاء في البيان واكتفت تصريحاتهم بالإشارة إلى ما سمي بأحداث الشغب.
بيان أول نوفمبر كان إذا أول منشور سياسي للثورة، وقد واصلت جبهة التحرير الوطني استعمال هذه الوسيلة الإعلامية طوال السبع سنوات والنصف، لتعميم القرارات الصادرة عنها على الجماهير. وكان المنشور يوزع، بواسطة المناضلين، في جميع أنحاء الجزائر، وبلغت دقة التنظيم حد توزيع بعض المناشير في وقت واحد، وأحيانا في ساعة واحدة عبر مختلف مدن وقرى الجزائر.
استعمال المنشور كأسلوب للتأثير السياسي والمعنوي حقق إذن نتائج جد إيجابية، نسجل منها:
الاستجابة الشعبية الواسعة لنداءات وتوجيهات الثورة.
فرار الكثير من جنود اللفيف الأجنبي والتحاقهم بصفوف الثوار الذين كانوا يساعدونهم على العودة إلى بلدانهم.
اقتناع الكثير من الفرنسيين بعدالة القضية التي تناضل من أجلها جبهة التحرير الوطني.
2-الرسائل: استعملت الثورة الرسالة كوسيلة اتصال حيث كانت توجه رسائل شخصية إلى الفئات التالية: الشخصيات الفكرية والسياسية المعروفة على المستوى الدولي، المتعاونون مع العدو، جنود وضباط الجيش الفرنسي، المعمرون.
رسائل الثورة نوعان: تنويرية توضح فيها أسباب الثورة وأهدافها، وتحذيرية توجه إلى المتعاملين مع العدو تبين لهم فيها مخاطر تصرفاتهم ونتائجها الوخيمة .
نمودج من الرسائل التنويرية و هي موجهة إلى العاملين في الجيش الفرنسي : (( يا جنود فرنسا،
إنكم بعملكم في الجندية الفرنسية تخدمون مصالح المستعمرين و تتعذبون في سبيل سعادة وهناء أمثال RENE MEYERجلاد الأمة الجزائرية، وإذا متم فأنكم تموتون في سبيل شرذمة مستغلة لشعب بأكمله، أي أنكم تموتون فداء للاستعمار، إننا لسنا من قطاع الطرق، نحن جنود جيش التحرير الوطني نعمل في سبيل مبادئ العدالة الإنسانية، ولقد خدعوكم في شأننا، ففكروا في الأمر، إن إعانة المستعمرين الذين لفظتهم الإنسانية تعتبر جريمة لا تغتفر ضد شعب يدافع عن حقه. إن انتصارنا محقق، ولتسقط العنصرية .))
إذا تفحصنا محتوى هذه الرسالة فأننا نلاحظ ما يلي :
- فهم نفسية الأفراد الموجهة إليهم الرسالة بالتحدث إلى الأوروبيين عن مبادئ العدالة الإنسانية
- التخويف: "إن متم..."
- اتهامهم بالعنصرية: وهو اتهام خطير بالنسبة للأوروبيين عامة وللفرنسيين خاصة الذين بنوا دولتهم الحديثة على المبادئ الثلاثة للثورة الفرنسية .
3-الجرائد: هي الوسيلة الإعلامية الأعمق تأثيرا لأنها تخاطب العقل، لكنها في نفس الوقت تتطلب توفر عنصر القدرة على القراءة، ونحن نعلم أنه في سنة 1954 كانت نسبة الأمية في الجزائر تفوق ال 90بالمائة ، لكن، ورغم ذلك استعملت الثورة الجريدة لتوصيل صوتها خاصة للرأي العام الدولي. واستعمال الثورة لهذه الوسيلة كان عن قناعة بأن الجريدة المكتوبة تسائل الفكر، فهي تتوجه لجمهور مثقف، عادة، ويوجد من بين هذا الجمهور، صحفيون، سياسيون، مناضلو حقوق الإنسان، طلبة.. باختصار كل موجهي الرأي، الذين يتحولون، مع الوقت وباقتناعهم بعدالة القضية إلى موصلين وناشرين لأفكار و مبادئ الثورة .
من بين الجرائد التي صدرت عن الثورة نذكر:
- المقاومة الجزائرية، التي ظهرت منها ثلاث طبعات هي: طبعة باريس (نهاية 1955) وطبعة المغرب (1956) وطبعة تونس (منتصف1956). الطبعات الثلاث كانت تسرب إلى الجزائر بطريقة سرية، ولم يكن يوجد تنسيقا بينها.
- المجاهد، وهي أهم جرائد الثورة وأكثرها شهرة(3). صدرت في جوان 1956 بالقصبة، كانت تسحب بالرونيو، دمر مقرها خلال معركة الجزائر ولم يصدر العدد السابع،وفي جويلية 1957 نقلت إلى تيطوان بالمغرب. وفي أكتوبر 1957 نقلت إلى تونس و أصبحت الناطق الوحيد باسم جبهة التحرير الوطني. أشرف عليها عبان رمضان ثم أحمد بومنجل، وعند تأسيس الحكومة المؤقتة في سنة 1958 أصبحت تتبع لوزارة الأخبار، وكانت توزع في كل عواصم العالم باللغتين العربية والفرنسية وترسل بالبريد إلى الشخصيات والهيئات الدولية . قامت بدور كبير في التعريف بالقضية الجزائرية وفي فضح أساليب الإبادة الاستعمارية بالجزائر.
المجاهد كانت موجهة بالأساس إلى الخارج، وهو ما يتضح من خلال محتواها الذي شكل مادة خام لكثير من الدارسين بالجزائر وبالخارج، نذكر منها على الخصوص الدراسة القيمة التي قامت بها الفرنسية مونيك قادون (4) بعنوان -Islam et nationalisme en Algerie d’aprés El Moudjahid 1956-1962.{الإسلام والوطنية من خلال المجاهد 1956-1962.}
تقول صاحبة هذه الدراسة أن المجاهد جريدة حزبية ذات سحب ضعيف، عملت جاهدة للوقوف ضد وسائل إعلام القوة الاستعمارية. كانت معركة غير متساوية ... وهي أي المجاهد، كانت تتوجه، خاصة إلى الحكومات والرأي العام الدولي، لجعلهم شاهدين ولمساءلتهم . كذلك كتبت تقول السيدة مونيك قادون.
من المهام التي قامت بها المجاهد هي أنها سهلت لوكالات الأنباء الأجنبية المرور مباشرة إلى إعلام واتصال ج.ت.و كما ساهمت ،بنشاط، من خلال الاستطلاعات والتحقيقات التي كانت تنشرها حول الحياة في الجبال، وعن جرائم الفرنسيين في الجزائر، في تكوين رأي عام دولي لصالح القضية الجزائرية.
إلى جانب جريدتي ( المقاومة الجزائرية ) و( الجاهد) ظهرت جرائد أخرى نذكر منها:
العامل الجزائري.
الشباب الجزائري.
جرائد الولايات، حيث كان لكل ولاية جريدة خاصة بها.
4- برقيات وكالة الأنباء الجزائرية :
في سنة 1961 أنشأت قيادة الثورة وكالة للأنباء وكان مقرها في تونس. هذه الوكالة كان الهدف من إنشائها هو جعلها الوسيلة الحاملة لصوت الجزائر للخارج وخاصة نحو وسائل الإعلام العالمية .
أسندت لوكالة الأنباء الجزائرية المهام التالية :
الإشراف على كل ما يتعلق بالثورة الجزائرية من أنباء و تعاليق ومراجعتها بدقة.
إعداد نشرة إخبارية يومية باللغتين العربية والفرنسية توزع على مكاتب وكالات الأنباء الأجنبية.
تبادل الخدمات الإعلامية مع الوكالات العالمية.
الاتصال الشخصي أو المباشر : هو النوع الأكثر أنشارا والأسرع تأثيرا. وقد ساعد على تسهيل مهمة الثورة فقدان العدو لكل مصداقية.
المصداقية لها أهمية خاصة في مجال الاتصال الشخصي، فيما بعد لما تحدث ديغول عن إجراءات لصالح الجزائريين "مشروع قسنطينة، سلم الشجعان ..." لم يصدقه أحد لأنه كان يتكلم باسم نظام فقد كل مصداقية في الجزائر، بينما نجح الاتصال الشخصي الممارس من طرف الثورة. أن هذه الأخيرة كانت تحتار أحسن وأكفأ وأقدر أفرادها للقيام بالاتصال بالمواطنين.
أخلاق وتصرفات وانضباط أفراد جيش التحرير الوطني كانت تسهل الاتصال المباشر وتجعل المواطنين يقبلون على الاستماع إلى المتحدثين و الناقلين لأخبار الثورة وتوجيهاتها، وكان يقوم بهذه المهمة المرشدون السياسيون الذين أصبحوا يعرفون فيما بعد بالمحافظين السياسيين(5).
ج- الاتصال المسموع أي عن طريق الإذاعة : كانت الإذاعة هي أهم وسيلة إعلامية خلال فترة الثورة المسلحة؛ التلفزيون لم يكن منتشرا بكثرة، وهو دخل الجزائر سنة 1956؛ ونظرا لأهمية الإذاعة في تجنيد الجماهير الجزائرية وتبليغها صوت وأخبار الثورة. قيادة الثورة استعملت الإذاعات التالية :
- إذاعة القاهرة: كانت تقدم من خلالها، بدءا من سنة 1955 برنامجا يوميا بالعربية هــو (صوت جبهة التح
publié par adimi dans: adimiahmed
تقديم كتاب السيد محمد بوعزارة
تأملات في الثقافة ...والحياة، دار الأمة، 2007
تأملات في الثقافة ...والحياة، دار الأمة، 2007
المكتبة الوطنية، يوم الاثنين 22 أكتوبر 2007
سيداتي سادتي
لما طلب مني
لما طلب مني